الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

حراك الشارع السعودي جرس إنذار




انطلقت رياح التغيير من تونس، مرورا بمصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا بشكل رئيس، وصولاً إلى تحركات في بعض مناطق جغرافية محدودة في بعض البلدان؛ كالسعودية والمغرب والجزائر والأردن وسلطنة عمان والسودان ، وما يجرى في السعودية _ تحديدا _ لا ينفصل عما يجري في المحيط العربي، فالشعب السعودي يعيش حالة احتقان داخلي منذ عقود وكان يحتاج لمؤثر ينطلق من خلاله ليعبر عن أفكاره بحرية، فكانت الثورات العربية هي المحفز لظهور تطور نوعي في الحراك السياسي والحقوقي لم تشهده السعودية خلال العقود الماضية .

وكان بداية ذلك ببروز عدة مطالبات بالاصلاح في شهري فبراير ومارس 2011 على شكل بيانات منها (نحو دولة الحقوق والمؤسسات) و(رسالة 23 فبراير) و(اعلان وطني للاصلاح) و(مطالب الشباب إلى خادم الحرمين)  وكانت عريضة دولة الحقوق والمؤسسات هي الأبرز لكونها الوثيقة التي جمعت أطياف دينية وليبرالية وشبابية من مختلف شرائح المجتمع ووقع عليها أكثر من عشرة آلاف شخص، وهو البيان السعودي الأول الذي يحظي بهذه النسبة من الإجماع يعكس الاطار الاصلاحي للمجتمع السعودي من قبيل مطالبة الملك السعودي بتحويل نظام الحكم إلى ملكية دستورية وتشكيل برلمان منتخب تكون لديه جميع الصلاحيات التشريعية والرقابية، وكذلك إصلاح القضاء، ومحاربة الفساد، واطلاق حرية التعبير، والافراج عن سجناء الرأي، وحل مشكلات الشباب، وإزالة القيود التي تعيق انشاء مؤسسات المجتمع المدني.

الاحتجاجات في السعودية :

يمكن تقسيم الحركة الاحتجاجية في السعودية إلى مرحلتين زمنيتين المرحلة الأولى في عام 2011 تمظهرت على شكل اضرابات عمالية واعتصامات ومظاهرات.

ومن الأمثلة على الاضرابات العمالية ما قام به اكثر من 500 موظف من العاملين بمركز الاتصالات(كول سنتر) في شركة الاتصالات السعودية في 12-13/3/2011م في مدن الدمام والرياض وجدة بسبب اقتصار الحوافز السنوية التي تقدمها الشركة على 25% من الموظفين .

وفيما يرتبط بالاعتصامات فقد قام عدد من عوائل السجناء بالاعتصام أمام مقر وزارة الداخلية بالرياض ونفذوا ثلاثة اعتصامات وذلك للمطالبة بالافراج عن المعتقلين أو محاكمتهم وكان الاعتصام الأول نسائي شارك فيها حوالي 25 امرأة في يوم السبت 5/2/2011 وتعرضن جميعهن للتوقيف وتم الافراج عنهن لاحقا .

أما الاعتصام الثاني فقد كان بتاريخ 13/3/2011م والثالث في 20/3/2011م وشارك فيهما حوالي 500 شخصا ونتج عن هذه الاعتصامات اعتقال الدكتور مبارك بن زعير بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية حينما كان متوجها للاعتصام الثالث وتم توجيه التهم التالية له الافتئات على ولي الأمر و إثارة الفتنة و حضور مظاهرة غير مرخصة و عدم الاعتداد بفتوى هيئة كبار العلماء بالسعودية إلى أن تم الافراج عنه مؤقتا بتاريخ 29/2/2012م ولازالت قضيته منظورة في المحكمة الجزائية ، وفي اليوم التالي للاعتصام بتاريخ 21/3/2011م تم اعتقال الحقوقي البارز العضو المؤسس لجمعية الحقوق المدنية والسياسية محمد البجادي وتوجيه عدة اتهامات له منها دعوة أهالي المعتقلين السياسيين إلى التظاهر والإعتصامات وتم الحكم عليه من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة بالسجن أربع سنوات والمنع من السفر لمدة خمس سنوات. ، وعلى خلفية اعتقال النساء خلال الاعتصام الأول والمطالبة بتطبيق القوانين بحق المعتقلين أصدر الدكتور يوسف الأحمد عدة مقاطع فيديو يناشد فيه السلطات بالافراج عن النساء و الافراج عن المعتقلين أو محاكمتهم حسب ما تنص عليه القوانين السعودية ، وعلى أثر ذلك تم اعتقاله في 8/6/2011م على خلفيه اتهامه بنشر ما من شأنه المساس بالنظام العام، وما انطوى عليه من تأليب ضد ولي الأمر وإثارة الفتنة وحكم عليه بالسجن خمس سنوات وغرامة مئة ألف ريال من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة.

وأيضا ما قامت به ما لايقل عن مئة امرأة من معلمات محو الأمية (بندالأجور–مسائي) في يومي الأحد والاثنين 3-4/4/2011 أمام مكاتب وزارة الخدمة المدنية في كلاً من الرياض والدمام وذلك للمطالبة بأن يشملهن الأمر الملكي الصادر بتاريخ27/2/2012 بتثبيت موظفي بند الأجور وأتى هذا الاعتصام نتيجة تصريح المتحدث الرسمي لوزارة الخدمة المدنية عبدالعزيز الخنين بعدم شمول معلمات(بند محو الأمية مسائي) بالأمر الملكي ، ونتيجة هذه الاعتصامات صدر أمر ملكي بتاريخ 22/4/2011م بأن يشملهن التعيين.

في فبراير2011م قامت أعداد محدودة من المواطنين في شرق السعودية بالتظاهر سلميا للمطالبة بالافراج عن ثلاثة من سجناء الرأي وتم الافراج عنهم لاحقاً ، وكان ذلك الشرارة التي أشعلت المظاهرات وبدأت تنتشر في مختلف قرى ومدن محافظة القطيف، الأمر الذي شجع على خروج مظاهرات أخرى في محافظة الاحساء، و تزايدت أعداد المتظاهرين في شهر مارس 2011 لتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من خمسة عشر ألف متظاهر وكانوا يهتفون بشعارات العدالة والمساواة والافراج عن السجناء المنسيين؛ وهم تسعة سجناء تم اعتقالهم بعد تفجيرات الخبر التي حدثت في 29/6/1996م ولم تتم محاكمتهم رغم مرور أكثر من 17 عاماً خلف القضبان حسب ما تنقل عوائل السجناء ، بينما الرأي الحكومي في هذه القضية حسبما جاء في صحيفة الجزيرة السعودية العدد رقم(10838) بتاريخ 20/3/1423هـ الموافق 1/6/2002م في لقاء حواري مع الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية في وقت صدور هذا التصريح أنه صدرت " أحكام شرعية لابد ان يعلن عنها في الوقت المناسب، وكما هو معلوم الأحكام الشرعية تتم في المحكمة تنتقل بعدها إلى محكمة التمييز ثم مجلس القضاء الأعلى،ومن ثم رفعها للمقام السامي للمصادقة على الأحكام." وفي لقاء جمع بعض شخصيات القطيف مع حاكم المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد في مارس 2011 أبلغهم بصدور أحكام ضدهم لكنه لم يفصح عن هذه الاحكام وإلى الآن لم يعرف ماهية الأحكام مع نفي السجناء أنهم ابلغوا بأحكام صدرت ضدهم أو أنه تمت محاكمتهم ، وفي جميع الظروف يبقى ملف هؤلاء السجناء أحد المحفزات الرئيسية للمتظاهرين بمطالبة الحكومة بالافراج عنهم ففي الحد الأدنى أنهم قضوا 17 سنة ولا احد يريد أن يفصح عن التهم الموجهة لهم ولا الأحكام التي صدرت ضدهم – إن صحت رواية الحكومة – ، فهل عدم كشف الحكم يعكس أن محكوميتهم قد انقضت !! أو أن ذلك يعكس خللا بنيويا في العدالة الاجرائية التي تحيط بالقضية كما هو الحاصل في كثير من قضايا المعتقلين الذين قضوا سنوات عديدة بلا محاكمات أو إذا كانت هناك محاكمات فإنها بالتأكيد لا تتوافق مع معايير المحاكمة العادلة ، ويبقى السؤال مفتوحاً عن شفافية الاجراءات الجنائية والقضائية في السعودية لسجناء خلف القضبان أكثر من سبعة عشر عاماً لا أحد يعلم مصيرهم والحكومة لا تفصح بأي معلومات في هذا الشأن !!

يوم الغضب السعودية :

في11/3/2011م كانت هناك دعوة عامة للتظاهر في مختلف مناطق السعودية ، وأطلق على هذا اليوم (يوم الغضب) ولم يجد النداء صدىً يدفعه للنجاح لعدة أسباب منها غياب تجارب حركية مدنية لدى التيارات السنية في السعودية وغياب العمل المدني ووجود شخصيات تتبنى الحراك، إضافة لحالة الخوف التي خلقتها وزاة الداخلية السعودية بنشرها للدوريات الأمنية وقوات الطوارئ بشكل كثيف في مختلف المناطق، فضلا عن تسخير الدولة للطاقات الاعلامية والدينية لنشر فكرة تحريم التظاهر لكونه شكلا من أشكال الخروج عن ولي الأمر وبيان وزارة الداخلية الذي صدر في 5/3/2011م والذي أشار بوضوح أن من سيخرج للتظاهر سيكون معرض للاعتقال حيث نص أن " قوات الأمن مخولة نظاماً باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة بشأن كل من يحاول الإخلال بالنظام بأية صورة كانت وتطبيق الأنظمة بحقه ، وأيضا ساهم الوضع الاقتصادي الجيد إلى حد ما الذي يتمتع به العديد من فئات المجتمع في عدم دفع الناس للنزول للشارع والذي يأخذ أشكالاً عديدة من دعم بعض المنتجات الاستهلاكية والضمان الاجتماعي و نتيجة عدم نجاح هذا اليوم قام العاهل السعودي باصدار عدة أوامر ملكية ركزت على الجانب الاقتصادي دون التطرق للاصلاح السياسي.

تطور نوعي للحراك السني في السعودية :

في ظل هذه التداعيات وعدم وجود حلول سياسية حصل تطور لافت عند عوائل المعتقلين في منتصف عام 2012م، فقد قاموا بالدعوة للتظاهر بهدف المطالبة بالافراج عن المعتقلين؛ ونظموا على إثرها أربع مظاهرات، كانت الأولى في مجمع صحارى مول بالرياض بتاريخ 6/6/2012م،  والثانية في مجمع خريص بلازا بالرياض بتاريخ 6/7/2012م، والثالثة في مجمع النخيل بلازا ببريدة بتاريخ 13/7/2012م، والرابعة في أحد شوارع بريدة بتاريخ 23/7/2012م. وقد ضمت المظاهرات الثلاث الأولى متظاهرين من كلا الجنسين، ما عدا الأخيرة التي اقتصرت على الرجال فقط. وكان الجميع ينادون بشعارات من قبيل " فكوا العاني فكوا " و " الشعب يريد تحرير السجون " و " سلمية سلمية "، ورغم مناداتهم بالسلمية تم اعتقال ثمان نساء بعد تعرض بعضهن للضرب ليفرج عن ستة منهن بعد يوم واحد واثنتان بعد ثلاثة أيام ، وأيضا حصل اعتصام في مدينة جدة بتاريخ 25/7/2012 بالاضافة إلى عدة مسيرات بالسيارات في كلا من مكة المكرمة و الدمام ولا زالت الاعتصامات والمسيرات مستمرة من قبل عوائل السجناء بالرغم من اعتقال بعض الأفراد الذين شاركوا ومحاكمة البعض و بالرغم من صدور بيان وزارة الداخلية بتاريخ 11/10/2012 والذي أشار " ووزارة الداخلية إذ تعلن ذلك لتؤكد أهمية احترام الإجراءات العدلية الجارية بحق جميع المتهمين بجرائم الفئة الضالة وعدم التورط بالمساس بالإجراءات العدلية أو استقلالية القضاء أو أمانة القضاة والابتعاد عن المشاركة في أي تجمعات أو مسيرات حيث سيتعامل رجال الأمن بحزم مع كافة المخالفين وذلك وفق ما نصت عليه الأنظمة " إلا أن ذلك لم يمنع الأهالي من مواصلة نشاطهم السلمي من اعتصامات ومسيرات بهدف الضغط على وزارة الداخلية لايجاد حل لهذا الملف الشائك .

وبالرغم من قلة المشاركين في هذه المظاهرات أو الاعتصامات إلا أن النسق السريع والمتصاعد من ناحية عدد الاحتجاجات وتوزعها في مناطق مختلفة من المملكة وتفعيل الاعلام الجديد لا سيما في تويتر من قبل أهالي المعتقلين والمتضامنين معهم مثلت قفزة في قراءة الحراك السعودي الذي تجاوز إلى حد ما ذهنية تحريم المظاهرات من قبل بعض أفراد التيار السلفي؛ حتى بدأ يستخدمها كأحد وسائل الضغط للافراج عن المعتقلين، مع وجود دعم وتعاطف شعبي من قبل علماء دين بارزين وشخصيات تحظى باحترام كبير لدى شريحة واسعة من المجتمع السعودي، الأمر الذي ربما ينبأ باستمرارية هذه التحركات بوتيرة قابلة للتزايد في مناطق أخرى من المملكة مع التوقع بأن الدعم الالكتروني سيكون له النصيب الأكبر مع قلة في أعداد المشاركين .

الحراك الشيعي في المنطقة الشرقية :

وبالحديث عن المظاهرات في القطيف والاحساء، والتي كان سبب الرئيس لها حالة التمييز الطائفي الممنهج ضد المواطنين الشيعة والمطالبة بالافراج عن تسعة سجناء أمضوا أكثر من سبعة عشر عاما خلف القضبان والتي ابتدأت في القطيف منذ فبراير2011م ولا زالت مستمرة، فيما خرجت في الاحساء مظاهرتان في شهر مارس 2011م تم على إثرها اعتقال ما يقارب من 735 شخصا من القطيف والأحساء منهم 35 طفلا .
وقد تم الافراج عن حوالي 580 معتقل بعد أن أمضى أغلبهم أكثر من أربعة أشهر في مقابل حوالي 155 معتقلا لا يزالون رهن الاعتقال؛ بينهم حوالي 18 طفلا أعمارهم بين الخامسة عشر والسابعة عشر ربيعاً  استناداً إلى احصائيات مركز العدالة لحقوق الانسان بالسعودية . ومن أبرز المعتقلين الحاليين عضو مركز العدالة لحقوق الانسان فاضل المناسف، والصحفيين حبيب المعاتيق وجلال آل جمال، ورجلي الدين توفيق العامر ونمر النمر. 
و بسبب استخدام القوة المفرطة من قبل قوات الأمن سقط أربعة عشر قتيلا كانت معظم اصاباتهم في أماكن قاتلة، و ما لا يقل خمسين شخصا كانت إصابات بعضهم خطيرة .
وبالرغم من أن وزارة الداخلية وعدت بفتح تحقيق في المتسبب بالقتل و بالفعل قامت بعمل تشريح طبي للقتلى إلا أنه منذ سقوط أول قتيل؛ وهو الشاب ناصر المحيشي (19 سنة) في 21 نوفمبر 2011م، وصولاً إلى آخر قتيل؛ وهو الطفل محمد حبيب عبد الله المناسف (16سنة) في 8 يوليو 2012م لم تفصح أو تعلن وزارة الداخلية عن أي نتائج للتحقيق، وهذا ما دفع المتظاهرين لرفع شعار " القصاص القصاص ممن أطلق الرصاص ".

حلول سياسية لا أمنية:

إن سيطرة حالة الجمود السياسي على الوضع في السعودية مع ارتفاع منسوب الوعي عند المواطن، فضلا عن التغيرات الاقليمية التي تجري في العالم العربي؛ من بروز للارادة الشعبية التي انعكست في بلدان مجاورة لم تتعامل الحكومة مع الوضع الجديد بنظرة استباقية للدفع بعجلة الاصلاح السياسي، بل استمرت المعالجات الأمنية التي ثبت فشلها سابقاً واستمرار الوضع الحالي سيشكل خطرا حقيقاً على الاستقرار في السعودية إن لم يتم المسارعة بتجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم بصيغة عقد اجتماعي يكون للمواطن فيه دور فاعلٌ في المشاركة، وأن يتم وضع حلول جذرية للملفات التي تسببت ولا تزال تسبب الاحتقان لدى المواطنين ومن بينها ملفي المعتقلين والتمييز الطائفي اللذين يشكلان عبئا على الدولة نحو التنمية الانسانية للمواطن السعودي وليس الاقتصار على الحلول الاقتصادية التي هي خيارات قصيرة الأجل ومسكنات للأزمة السياسية لا أكثر .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق