الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

اندماج الشيعة في الاطار السياسي الوطني

اندماج الشيعة في الاطار السياسي الوطني
برنامج عمل لمعالجة التمييز الطائفي
ينشر الكترونيا لأول مرة

ملخص تنفيذي

وضع مشروع "اندماج الشيعة في الاطار السياسي الوطني" بناء على مناقشات موسعة بين وجهاء ومثقفي الشيعة فضلا عن النقاط التي اثيرت في اللقاءت مع كبار المسؤولين في الدولة خلال السنوات الماضية. وهو مقدم الى القيادة الرشيدة كبرنامج مقترح لاستعادة العلاقة الطبيعية بين المواطنين الشيعة وحكومتهم الرشيدة.
يحقق هذا المشروع حاجة الموطنين الشيعة في الحصول على حق المساواة ، وحاجة الدولة في التخلص من القلق الناتج عن الانقسام المذهبي وما يترتب عليه من مشكلات امنية وسياسية.
 يقوم هذا المشروع على قاعدة النظام الاساسي للحكم في المملكة ولا سيما البنود 8،12، 38 ويتضمن استراتيجيات عملية قابلة للتطبيق التدريجي وغير مكلفة سياسيا او امنيا.
وهو يبدأ بتوضيح مفهوم "الاندماج الوطني" ، ثم يقدم تصورا للحل على ثلاثة مسارات : التمثيل الوظيفي ، والتطبيع الاجتماعية وتحييد العنصر المذهبي في العلاقة بين الحكومة ومواطنيها الشيعة. ويعرض مقترحات محددة. ويامل مقدمو المشروع ان يعرض للمناقشة بصورة نظامية لاختبار مصداقيته او تعديله او استبداله بمشروعات اكثر تقدما.


ديباجة :

طوال العقود الماضية بذل وجهاء ومثقفو الطائفة الشيعية جهودا متواصلة لمعالجة الاشكالات المزمنة في العلاقة بين المجتمع الشيعي وبين الحكومة الرشيدة ، وهي اشكالات ازدادت سوءا في ظل التطورات السياسية في المنطقة ككل، وحل الارتياب المتبادل محل الثقة المتبادلة لفترة طويلة نسبيا. وفي العام 1993 اتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك فهد طيب الله ثراه مبادرة استثنائية بفتح الحوار على مصراعيه، وبادر بتصفية القضايا الامنية التي كانت تشكل عبئا كبيرا على الطرفين، ووعد بحل جميع المشكلات وصولا الى تحقيق مبدأ المساواة الكاملة ومعاملة الشيعة كمواطنين سعوديين اولا واخيرا. وقد فتحت تلك المبادرة التاريخية افقا جديدا في حياة المواطنين الشيعة، وجرى حل العديد من المشكلات، الامر الذي اوجد قدرا كبيرا من الثقة والمحبة، وساعد على ازالة الاحتقانات والتوترات وصان البلاد - ولله الحمد - من شر الانعكاسات السلبية لما حدث في الخارج ولا سيما في السنوات الاخيرة.
منذ ذلك التاريخ جرت تطورات كبيرة في الحياة العامة في المملكة منها مثلا الاقرار بواقع التعددية المذهبية في البلاد ، ورعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله اعزه الله للحوار الوطني الذي ترك اثرا بالغا في التفاهم بين المواطنين . وعلى مستوى الطائفة الشيعية فقد تطورت رؤية عامة الناس الى الدولة ، فاصبحوا اكثر تفاؤلا واقوى ميلا للتفاعل الايجابي معها . ويظهر هذا بوضوح اكبر على مستوى النخبة والطبقات الحديثة ، وهو واضح ايضا على مستوى القاعدة الشعبية . في هذا السياق فان الاكثرية الساحقة من المواطنين الشيعة اصبحت تؤمن بالتعاون مع الدولة كطريق وحيد لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية .
في الوقت الحاضر يشعر وجهاء الطائفة الشيعية بان الحوارات السابقة مع الدولة ووثيقة "شركاء في الوطن" التي سبق تقديمها الى خادم الحرمين الشريفين امد الله في عمره ، في ابريل 2003 ، قد اوصلت العلاقة الى مستوى متقدم يستوجب الارتقاء بنوعية الحوار وموضوعاته واغراضه المباشرة. كما ان التطورات الاقليمية والمحلية، والحراك السياسي الاصلاحي الذي شهدته المملكة خلال الاعوام الثلاثة الماضية، واعلان الحكومة عزمها على الاصلاح، ثم تولي الملك عبد الله للعرش، قد احدثت تعديلا نسبيا في الموازين والرؤية السياسية بما يستوجب الانتقال الى مرحلة جديدة تبني على معطيات الحوار القائم منذ سنوات كما تستجيب للتحديات الجديدة.
للمبررات السابقة جميعا ، نعرض هذه الورقة التي تدعو لحل نهائي للمسألة الطائفية في المملكة وفتح صفحة جديدة في حياة المواطنين الشيعة ، عنوانها: الشيعي السعودي سعودي اولا واخيرا . ونعتقد ان هذا سيكون ذا اثر عميق في صيانة امن البلاد واستقرارها وتطورها وانسجامها الاجتماعي. تدور مقترحات هذه الورقة حول محور محدد هو "اندماج الشيعة في النظام السياسي".

يحقق هذا المشروع حاجتين متوازيتين :

** حاجة للطائفة الشيعية تتمثل في التخلص نهائيا من مشكلة التمييز والتهميش القائم على مبررات مذهبية ، والحصول على معاملة متساوية على قاعدة المواطنة ، أي كون الشيعة سعوديين اولا ، لهم جميع الحقوق التي يحصل عليها بقية المواطنين وعليهم نفس الواجبات والالتزامات في اطار النظام الاساسي للحكم.
** وحاجة للدولة تتمثل في التخلص نهائيا من القلق الذي يتسبب فيه الانقسام المذهبي وما يؤدي اليه من تحول الطائفة الشيعية الى بيئة مساعدة للانشقاق على الدولة ومعارضتها ، وكذلك ارتياب الدولة تجاه علاقة الشيعة بمرجعياتهم الدينية وبشكل عام المجتمعات الشيعية في الخارج . وهي مشاعر نتفهم اسبابها بغض النظر عن رأينا في صحتها او خطئها.

الاساس النظري للمشروع

يقوم هذا المشروع على قاعدة نظرية واخلاقية محددة هي مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات. حيث نص النظام الاساسي للحكم في المملكة بصورة صريحة على المساواة بين السعوديين ، فضلا عن كونه مبدأ ثابتا وقيمة عليا دينية وسياسية. ومن هنا فان الشيعة لا يطالبون باكثر من وضع بنود النظام الاساسي ذات العلاقة ولا سيما البنود 8،12، 38 موضع التنفيد ، والتعامل معهم على اساسه كمواطنين متساوين مع بقية المواطنين في الفرص وامام القانون .
ويتضمن هذا المشروع استراتيجيات مقترحة للوصول الى تطبيق كامل لمفهوم المساواة كما ورد في النظام الاساسي الذي يمثل القانون الاعلى في البلاد والمرجع لجميع السياسات والقوانين .
يدعو هذا الى تعزيز مفهوم المواطنة، ومعالجة العنصر المذهبي في العلاقة بين الدولة والمجتمع الشيعي. ان المطالبات ذات الطبيعة المذهبية التي يقدمها احد الطرفين للاخر، لا تمثل قاعدة العلاقة بينهما . واذا كانت مقبولة لاغراض مرحلية ولتمهيد الطريق امام تعزيز التفاهم والثقة المتبادلة، فانها مقبولة في هذا الاطار فقط، أي باعتبارها مرحلية وتكتيكية. وهي مقبولة طالما كانت تقود الى تحقيق المساواة التي يضمنها النظام الاساسي .

معنى الاندماج :

يعالج مفهوم "الاندماج الوطني" مشكلة الانقسام في الدول المتعددة الاعراق او المذاهب ، لا سيما تلك التي يشكل فيها هذا الانقسام ارضية للموقف السياسي او التعامل او توزيع الفرص او اتخاذ القرارت الادارية. وتبرز المشكلة بصورة اعمق حين تمارس  الدولة تمييزا معلنا او مستترا ، محميا بالقانون او خارج اطار القانون، ضد فئة من المجتمع الوطني تتمايز عن البقية من حيث العرق او القومية او اللغة او المذهب او الدين .
وبغض النظر عن المجادلات حول طبيعة سياسة الدولة تجاه الشيعة السعوديين، وموقف هؤلاء تجاه الدولة، فانه يمكن القطع بان هناك سياسة تنطوي على تمييز ضد مجموع الشيعة. من المفهوم ان ظهور هذه السياسة يرجع الى ازمان قديمة وضمن فلسفة سياسية خاصة وظروف خاصة. ومن الواضح اليوم ان الدولة تسعى الان للبناء على فلسفة جديدة تتناسب مع التطورات المنجزة على المستوى الوطني والتغير الشامل على مستوى العالم، ومن ضمنه معالجة مشكلة التمييز الطائفي. لكن يجب الاشارة الى ان المدى الزمني الطويل الذي مورست خلاله تلك السياسة قد ادى الى توليد حالة من الارتياب في العلاقة بين الطرفين. ويشعر الشيعة – بسبب ذلك - بالغبن والمظلومية، اثر في بعض الاحيان على موقفهم من الدولة ، وشكل مصدرا للتوتر الامني والسياسي.
 مفهوم الاندماج يعني ازالة الاسباب التي تعيق المشاركة الطبيعية للشيعة في الحياة العامة للبلاد ، ويؤدي الى التخلص نهائيا مما نعتبره مشكلة طائفية في المملكة تسبب القلق للدولة والمواطنين على حد سواء. يتحقق الاندماج حين يشعر الشيعة بان الدولة دولتهم كما هي دولة جميع المواطنين ، وليس القوة الغالبة فوقهم ، وحين يشعر قادة البلاد بان الشيعي هو مواطن طبيعي مثل غيره ، يتمتع بنفس الفرص المتاحة ويتحمل نفس المسؤوليات ، وان القانون الوطني هو المرجع الوحيد في التعامل معه . ونقترح ثلاثة مسارات لتحقيق فكرة الاندماج : التمثيل الوظيفي ، التطبيع الاجتماعي ، وتحييد الجانب الديني  في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة.

اولا - التمثيل الوظيفي

التمثيل الوظيفي يعني تحديدا فتح الباب امام الشيعة للحصول بشكل طبيعي على الوظائف في مختلف مستويات الادارة الحكومية بما يتناسب مع حجمهم النسبي وما يملكون من كفاءات . في الوقت الراهن ثمة سدود وقيود تحول دون حصول الشيعة على مناصب معينة او الارتقاء الوظيفي الى مستويات معينة ، وهناك هيئات حكومية تخلو تماما من وجود الشيعة في الادارات الوسطى ، كما ان الوظائف العليا (الدرجة 14 فما فوق) تخلو تماما الا من افراد يعدون على اصابع اليد الواحدة . ينبغي ان يتمثل الشيعة في كل القطاعات الادارية والدبلوماسية والسياسية كما في الاقتصاد والإعلام . فلا معنى للاندماج بدون تمثيل اعتيادي في مؤسسات الدولة يقوم على الكفاءة والمنافسة العادلة. لا يمكن الوصول الى هذه الغاية الا بقرار سياسي يستهدف بشكل مباشر إلغاء الحواجز والموانع التي تحول دون وصول الشيعة إلى مناصب عليا في الدولة .
التمثيل من خلال الوظائف هو احد الحلول الفعالة لتحقيق الاندماج لانه من ناحية يمكن الدولة من التعرف المباشر على هموم المجتمع الشيعي ومشكلاته وتطلعاته ، ويوفر لها قنوات طبيعية للتدخل والمعالجة والتاثير من دون اللجوء الى الاساليب التي ربما تنطوي على تعسف ، او تصدر عن تصورات غير دقيقة . من ناحية اخرى فانه يمكن المجتمع الشيعي من التعرف على الطرق القانونية والسليمة لحل مشكلاته ونقل همومه الى قادة البلاد ، وهذا يؤدي كما هو معروف في علم الادارة وفي تجارب الامم الاخرى الى عقلنة المطالب ، وتسويد الاساليب الهادئة والودية في العلاقة . وفي نهاية المطاف فانه يزيل حالة الاحباط التي يشعر بها الكثير من اعضاء المجتمع ، لا سيما اصحاب الكفاءة والطموح الذين يظنون ان الطريق امامهم مسدود ، وان خيار الارتقاء الحياتي والوظيفي في اطار الادارة الحكومية نادر او معدوم بسبب العوائق المذهبية. فتح الباب لتوظيف الشيعة في المراكز التي بقيت مغلقة حتى الان ، سوف يعيد تشكيل صورة الدولة في عيون الشيعة باعتبارها دولتهم ايضا وهي دولة كل السعوديين بغض النظر عن مذهبهم ، وهذا سوف ينعكس بعمق على فكرة الولاء للوطن والدولة ، وسوف يجعل الشيعي مدافعا عن الدولة مثل دفاعه عن الوطن والدين .

العوائق السياسية والعوائق الادارية

يصل الموظف الى المراتب العليا بطريقين : الاول هو الترقية بقرار سياسي ، كما هو الحال في وظائف الدرجة 14 وما فوق . اما الثاني فهو التدرج الوظيفي من المراتب الوسطى الى الاعلى. ويواجه الشيعة عسرا في كلا الطريقين . فخلال نصف قرن لم يصل مجموع الشيعة الذين حصلوا على ترقيات بالطريق الاول الى عشرة اشخاص. اما الطريق الثاني فهو مسدود تماما ، فهناك دوائر حكومية (وزارة الخارجية مثلا) لا تسمح اطلاقا بتوظيف الشيعة في أي من وظائف الادارة الوسطى، وبالتالي فان طريقهم الى المراتب العليا مغلق بالضرورة . وثمة دوائر اخرى تتجاهل او تتغافل عمدا الموظفين الشيعة المشهود لهم بالاهلية والكفاءة، فلا يتجاوزون المراتب المتوسطة التي وصلوا اليها ، وينتهي بهم الامر الى التجميد او الاحالة على التعاقد بينما يرتقي زملاؤهم بصورة طبيعية الى المراتب الاعلى . وهذا الصنف شائع في جميع الوزارات . من هنا فان المواطن الشيعي يشعر بالغبن والاحباط لان كفاءته لا تفتح له الطريق للارتقاء الوظيفي وخدمة وطنه ، بينما تتاح لغيره ولو كان  اقل منه اهلية.
ان التوصل الى حل عبر كلا الطريقين يحتاج الى قرار سياسي من خلال تعيين عدد من الشيعة الاكفاء في المراتب التي يجري شغلها بناء على قرار سياسي ، وهي المراتب 14 فما فوق . وقرار سياسي يسمح لهم بالارتقاء الطبيعي في جميع دوائر الدولة ، بما فيها تلك الادارات والوزارات التي لا زالت مغلقة عليهم .

الجانب الرمزي والسياسي في مسألة التمثيل

يشعر المواطنون السعوديون جميعا بالالم بسبب كثرة ما يقال عن ممارسة بلادهم لسياسة التمييز الطائفي. لكن من ناحية اخرى فان هناك انطباعا منتشرا بين عامة المواطنين بان الشيعة السعوديين هم "صنف ثاني" او غير موثوقين من الدولة او غير مقبولين الخ . وبسبب هذا الانطباع فان بعض الاداريين لا يتورع عن تقديم غير الشيعي على الشيعي بغض النظر عن المؤهلات الشخصية لكل منهم ، ويظهر هذا بشكل اوضح حين يجري التنافس على وظائف نادرة او رئيسية ، وحين يكون المنافس قريبا او ذا علاقة بصاحب القرار . وهذا امر معروف للاسف في الدوائر الحكومية . ويبرر عادة بان الدولة لا ترغب في الشيعي او انه غير موثوق ، او غير مدعوم . ومع علمنا بان الكثير من هذه الممارسات والمبررات غير مرضية عند قادة البلاد ، الا انها واقع قائم ويحتاج الى علاج . وفي رأينا ان تعيين عدد من الشيعة في وظائف ذات قيمة رمزية مثل وزير او وكيل وزارة او سفير سوف يمثل رسالة الى الجميع بان الدولة لا تميز بين مواطنيها ، وانها مفتوحة لجميع الاكفاء دون نظر الى مذاهبهم . وان السعوديين جميعا اكفاء لبعضهم ومتساوون امام القانون .
خلاصة القول ان تعيين عدد من الشيعة في مناصب عليا سوف يعالج كثيرا من المشكلات وسوف يساعد بفاعلية في ادماج الشيعة في النظام السياسي، الامر الذي يخلصهم من حالة الاحباط ويعزز ولاءهم للدولة، كما انه من جانب اخر سيخلص الحكومة من حالة الارتياب في موقف الشيعة وتاثير اختلافهم المذهبي على موقفهم السياسي، ويوفر لها قناة فعالة للتاثير على المجتمع وقيادته على افضل الوجوه. واخيرا فانه يخلص الدولة من تبعة التصرفات التي يمارسها البعض بدوافع خاصة، مع انها تخدش صورة المملكة امام مواطنيها وامام العالم.
الاجراءات المقترحة :
1-      تعيين عدد من الشيعة في وظائف ذات قيمة رمزية مثل وزير او وكيل وزارة او سفير وما اشبه.
2-   تعيين مستشارين من الشيعة في المواقع التي ترد اليها قضايا تتعلق بهم مثل الديوان الملكي او ديوان سمو ولي العهد او امارة المنطقة وسواها كي تكون عينا للدولة الرشيدة على اوضاع هذه الطائفة وما تتطلع اليه وما يعرض لها.
3-   رفع الحظر (المقصود او العفوي) على توظيف الشيعة في المراتب الادارية المتوسطة والعليا في معظم الوزارات لا سيما وزارة الخارجية والعدل والداخلية . ونشير هنا الى ان مدينة القطيف ذات الاغلبية الشيعية لم يعين فيها مدير بلدية من اهلها منذ ثلاثين عاما وحتى الان. كما ان رئاسة تعليم البنات تخلو تماما من اداريات من الشيعة ، وكذلك الحال في وزارة التعليم العالي رغم كثرة المؤهلين وقدامى الاساتذة.
4-   معالجة العوائق التي تحول دون ارتقاء الموظفين الشيعة الطبيعي في الوظائف الحكومية ، من خلال توجيه محدد بهذا الشأن وتعيين جهة للشكوى في حال حدث تمييز من هذا النوع.

 

ثانيا : التطبيع الاجتماعي

بذلت الحكومة والنخبة المثقفة في البلاد جهودا طيبة لتخفيف المشاعر الطائفية التي تصعد الى السطح بين حين وآخر. ولعل ابرز تلك المبادرات هو مؤتمر الحوار الوطني الذي رعاه الملك عبدالله اعزه الله. والذي اثبت ان السعوديين قادرون على حل مشكلاتهم وخلافاتهم في اطار بلدهم وتحت رعاية حكومتهم . ونحن نرى اليوم الكثير من الثمار الطيبة لتلك المبادرة.  نحن بحاجة الى مواصلة وتوسيع هذا المنهج والتركيز على هدفه الاساسي وهو جعل المواطنة والانتماء الى الوطن المعيار الاعلى في العلاقة بين السعوديين .
 ان سنينا متطاولة من التفارق والتشاحن المذهبي لا يمكن علاجها بين ليلة وضحاها . لكن الظروف الحالية تسمح لنا بالقول ان هذا العلاج سيكون ممكنا وقريب المنال . لكي نعالج المشكلة فيجب اولا تحديدها ، ونعتقد ان جوهرها يكمن في اعتبار الشيعة السعوديين "شيئا مختلفا" او "غريبا" ، ولهذا فان البعض لم يتورع عن نسبتهم الى الخارج او اعتبارهم عبئا الخ . ولهذا السبب ايضا فقد بات ظهور المواطن الشيعي على الصعيد الوطني العام مسألة تلفت النظر وكأنها حالة فريدة . في الحقيقة فان استمرار هذه الحالة سوف يبطيء او ربما يعيق الجهود الطيبة التي تبذلها الحكومة والنخبة المثقفة لاشاعة التفاهم وتعزيز مسيرة البناء الوطني الشامل وتحقيق الاجماع التام وراء الدولة والقيادة .
علاج هذه الحالة يكمن في تطبيع الوجود الشيعي على المستوى الوطني ، وقد اشرنا سلفا الى دور الوظيفة الحكومية في هذا المجال، ونشير الان الى الوسيلة الاخرى الفعالة ، اي الاعلام. فالواضح ان كثيرا من السعوديين لم يتعرفوا على مواطنيهم الشيعة الا في الفترة الاخيرة وذلك بفضل الوسائل الاعلامية ، المحلية والاجنبية. ندرك ان وسائل الاعلام الخارجية لا يمكن ان تقوم بهذه المهمة، وربما تستخدمها في غير مصلحة البلاد. ان تحفظ وسائل الاعلام المحلية ولا سيما الحكومية منها على ظهور الشيعة من خلالها، قد جعل القنوات الاجنبية النافذة الوحيدة للتعارف بين الشيعة السعوديين وبقية المواطنين. وهذا بذاته يخلق اشكالا يتمثل في النظر الى الخارج كوسيلة وحيدة للتعبير عن الذات واصلاح الاوضاع. ولهذا فاننا ندعو الحكومة الى فتح قنوات الاعلام المحلي، ولا سيما الحكومي منه امام الشيعة كي يظهروا كما هم، أي كمواطنين يجمعهم مع بقية السعوديين ولاؤهم للبلد وقيادته، وتجمعهم نفس الامال والتطلعات والهموم الحياتية، يعبرون عن انفسهم كما هم في واقع الحياة وليس كما تصوره الكتب القديمة او دعايات المعادين للمملكة والساعين لاصطياد الاخطاء واستثمار العيوب التي لا يخلو منها أي مجتمع في العالم. ظهور المجتمع الشيعي بصورة عامة ولا سيما شخصياته البارزة على وسائل الاعلام سوف يزيل تدريجيا الشعور بان الشيعي محجور عليه او محروم، كما سيزيل الانطباع بان الشيعة السعوديين كيان غريب او مريب او مشكل . وسوف يكشف للجميع ان السعودي الشيعي هو سعودي اولا وانه مواطن طبيعي مثل كل مواطن اخر له نفس الهموم والاهتمامات والمشاعر والتطلعات وان اختلف مذهبه. ان بلادنا بحاجة الى التاكيد دائما على وحدتها واجماع شعبها. الوسيلة الاقوى لتعزيز هذه المشاعر هي ان ينظر السعوديون الى انفسهم كمجموع واحد في مركب واحد يجمعهم الوطن ولا يفرق بينهم اختلاف المذهب.

الاجراءات المقترحة :

1-      رفع التحفظ (المقصود او العفوي) على ظهور الشيعة السعوديين في وسائل الاعلام، ولا سيما الرسمية منها.
2-      تشجيع الحوارات والاعمال المشتركة التي تؤكد على التنوع المذهبي في اطار الوحدة الوطنية.
3-   اشراك الشيعة السعوديين في المجامع الدينية ، سيما تلك التي يشارك فيها شيعة من خارج المملكة مثل رابطة العالم الاسلامي وامثالها ، وكذلك النشاطات الدولية التي تقوم بها وزارة الشؤون الاسلامية لمحو الاتهامات الموجهة للمملكة بالتمييز وامثاله والتاكيد على الجامع الوطني للسعوديين.
4-   السماح للشيعة باصدار صحف او مجلات محلية في المنطقة الشرقية ، وكذلك تشجيعهم على طباعة ونشر كتبهم داخل البلاد ، من خلال تخفيف الرقابة الزائدة ، وهي خطوة ستقود بالضرورة الى ضبط الايقاع الثقافي في اطار حاجات الوطن وخصوصياته.

ثالثا : تحييد الجانب الديني في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة

يشكل الاختلاف المذهبي مصدرا للكثير من المشكلات في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة . ولحسن الحظ فقد اتخذت الدولة مبادرات جيدة مثل رفع الحظر عن بناء المساجد والتخفيف من القيود على ممارسة الشعائر الدينية اضافة الى حظر الكتابات والمواد الاعلامية التي تثير حساسيات مذهبية . وقد اثمر ذلك عن فهم جديد في اوساط الطائفة، سيما النخبة ووجوه المجتمع يدعو الى التعاضد مع الدولة وشد ازرها في مواجهة التحديات وغض الطرف عن الاساءات التي تصدر احيانا من هذا الطرف او ذاك .
وفي اعتقادنا ان البلاد بحاجة الى علاج طويل الامد لمسألة الاختلاف المذهبي، للحيلولة دون استغلاله من قبل البعض، ومنع تاثيره على العلاقة الطيبة بين المجتمع والدولة، او جعله مدخلا لتعكير امن البلاد وسلامتها. منطلق العلاج هو تفهم الطبيعة الخاصة للمؤسسة الدينية عند الشيعة ، ولا سيما كونها اهلية ومستقلة. احتفظ العمل الديني عند الشيعة بهاتين الصفتين منذ قديم الزمان وحتى اليوم . وهذا سائد حتى في ايران التي يحكمها علماء دين شيعة، فالمساجد والحسينيات والمدارس الدينية وممارسة الشعائر الفردية او الجمعية تقام وتدار كلها من جانب الاهالي وعلمائهم. وبشكل عام فان تدخل الدولة في الامور الدينية ليس من الامور المقبولة او المريحة عند الشيعة. ولذا فان تحييد الجانب الديني في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة لا يتم من خلال الامر والنهي ، بل من خلال مفهوم " الدعم والتنظيم" . نحن اذن بحاجة الى صياغة معادلة متوازنة تكفل - من جهة - تقبل الشيعة وتعاونهم، و - من جهة  اخرى - تلبية حاجة الحكومة وازالة بواعث القلق التي تراود الرسميين ازاء هذا الموضوع .
نقترح ابتداء تعريف وتحديد حاجة الدولة ، وجوهرها كما نعتقد هو : جعل العمل الديني الشيعي متسقا مع الحاجات الوطنية ، ولا سيما تعزيز الولاء للوطن ومنع استغلال الدين في امور تقود الى الاضطراب الامني او السياسي او تدخل الاجانب في شؤون البلاد.
اما حاجة المجتمع الشيعي في الجانب الديني فهي على وجه التحديد : ممارسة الشعائر الدينية والتثقيف الديني وفق الاعراف الجارية منذ قديم الزمان في امان واطمئنان ومن دون تدخل سلبي او اعاقة من جانب الاجهزة الرسمية .

الاجراءات المقترحة

1-  انشاء هيئة رسمية لرعاية وتنظيم الشؤون الدينية ، لا تقل من حيث الترتيب الاداري عن وكالة وزارة ، تقوم بالاشراف على التنظيم المقترح وما يتعلق به مستقبلا ، ويمكن ان تكون هذه الهيئة مستقلة او تابعة لوزارة الشؤون الاسلامية ، على ان يرأسها موظف من الطائفة الشيعية.
2-  العمل على تشجيع قيام مرجعية دينية محلية ، من خلال الاعتراف الرسمي بالمدارس الدينية الشيعية ومعادلة الشهادات التي تمنحها بنظيرتها في المدارس الدينية الاخرى.
3-  الاعتراف الرسمي بالاوقاف الشيعية والجهات الموقوفة عليها من جانب المحاكم الشرعية وكتابات العدل ، بما يسهل استثمارها للاغراض الخيرية والتدقيق في حسن ادارتها من جانب الهيئة المشار اليها سابقا او محكمة الاوقاف والمواريث الجعفرية او بالتعاون بين الجهتين .
4-  الفصل بين الجانبين السياسي والديني في علاقة الشيعة السعوديين مع المرجعيات الدينية في الخارج من خلال ارساء علاقات حسنة بين الدولة وتلك المرجعيات من اجل تسويد التفاهم والتقدير المتبادل للهموم والحاجات والتعاون في حل المشكلات.

خلاصة  

ينطلق مشروع "الاندماج" من تحليل للظروف السياسية القائمة في المملكة والاقليم ، ويبني على ما تم انجازه من خلال الحوار بين المجتمع الشيعي والدولة خلال السنين الماضية. يستهدف هذا المشروع تصفية نهائية للمشكلة المزمنة في العلاقة بين الشيعة السعوديين وحكومتهم ، من خلال اندماجهم في النظام السياسي الوطني كمواطنين طبيعيين تحت سقف النظام الاساسي للحكم في المملكة وما قرره من مساواة كاملة بين المواطنين . يحقق المشروع غرضا مزدوجا فهو ينهي حالة التمييز التي يعانيها الشيعة ، كما يقضي على حالة الارتياب التي تساور الدولة تجاههم . ويعزز فوق ذلك سلامة الوطن ويعزز مناعته في مقابل التحديات الناتجة عما يجري في المحيط الاقليمي من تقلبات وتغيرات .  يقترح المشروع ثلاثة مسارات لتحقيق الاندماج هي : رفع العوائق امام مشاركة الشيعة في الوظائف العامة ولا سيما في المراتب العليا ، تطبيع الوجود الشيعي في المملكة ، وتحييد الجانب الديني والمذهبي في العلاقة بين الطرفين من خلال تبني مفهوم "الدعم والتنظيم" .
 ونتطلع الى عرض هذا المشروع للمناقشة بين نخبة الشيعة وقادة البلاد لاستكشاف امكانية تطبيقه او صياغة بدائل افضل ، ومدى ما يمكن لهذه النخبة ان تقدمه في دعم توجهات الحكومة الاصلاحية.
حفظ الله بلادنا وصانها ووفق ولاة امرنا وزادهم رفعة وعزا

والله ولي التوفيق.
الشيخ حسن موسى الصفار      د. توفيق السيف           جعفر الشايب              د. صادق الجبران