الخميس، 22 نوفمبر، 2012

هل التعامل مع المنظمات الحقوقية جريمة في السعودية ؟



-         من إحدى التهم التي يوجهها الادعاء العام في السعودية ضد نشطاء حقوق الانسان هو التعامل مع المنظمات الحقوقية وهو ما اتهم به المدافعين عن حقوق الانسان محمد القحطاني ومخلف الشمري ووليد أبو الخير .

-         لتوضيح أن هذه التهمة ليس لها مستند قانوني سأتطرق لبعض النقاط في هذا الصدد :

-         السعودية عضو في الأمم المتحدة ملزمة قانونياً بميثاق الأمم المتحدة التي صادقت عليه بتاريخ 1945/10/18م .

-         الالزام القانوني ناشئ كون السعودية انضمت إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات في تاريخ 2003/4/14م، والتي نصت (م27) على أن "لا يجوز لطرف فى معاهدة أن يتمسك بقانونه الداخلى كسبب لعدم تنفيذ هذه المعاهدة". ، وهو ما يتوافق مع (م81) من النظام الاساسي للحكم التي نصت بأنه  " لا يخل تطبيق هذا النظام بما ارتبطت به المملكة العربية السعودية مع الدول والهيئات والمنظمات الدولية من معاهدات واتفاقيات".

-         من السابق يتضح أن (م71) من ميثاق الأمم المتحدة واجبة التنفيذ التي نصت على "للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يجرى الترتيبات المناسبة للتشاور مع الهيئات غير الحكومية التي تعني بالمسائل الداخلة في اختصاصه. وهذه الترتيبات قد يجريها المجلس مع هيئات دولية، كما أنه قد يجريها إذا رأى ذلك ملائماً مع هيئات أهلية وبعد التشاور مع عضو الأمم المتحدة ذي الشأن.".

-         وعلى هذا الاساس تم إنشاء لجنة المؤسسات الغير حكومية ضمن المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة وهي تقوم بإعطاء الصفة الاستشارية للمؤسسات الحقوقية ويترتب على هذه المنظمات مسؤوليات والتزامات معينة ولمزيد من المعلومات عن ذلك اضغط هنا .

-         وبناء على المعطيات السابقة السعودية تعترف بالمؤسسات الحقوقية الدولية والاقليمية وهذا يتضج جليا اذا علمنا أن وفد من منظمة هيومان رايتس في عام 2003 التقى بوزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز في السعودية .

-         وفي عام 2006 تم توجيه دعوة رسمية من قبل الحكومة السعودية لمنظمة هيومان رايتس لزيارة السعودية لتقديم تقرير عن حالة حقوق الانسان وكيف تطويرها وتحسينها .

-         أما الاعلام السعودي فهو يومياً تقريباً ينشر ما تصدره المنظمات الحقوقية من بيانات او تقارير لا سيما منظمة العفو الدولية و منظمة هيومان رايتس .

-         وعلى مستوى مجلس حقوق الانسان قبلت السعودية ضمن الاستعراض الدوري الشامل في عام 2009 التوصية الواردة من دولتي النرويج ونيوزيلندا بـ (ﺃﻥ ﺗﺴﻤﺢ لجميع ﻣنظمات حقوق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ الراغبة في ﺯﻳﺎﺭتها ﺑﺎﻟﻘﻴﺎﻡ بذلك؛ ﻭ ﺃﻥ تواصل ﻣﺸﺎﺭﻛﺘﻬﺎ ﻣﻊ منظمات حقوق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﺃﻥ تنظر في تعميق هذه المشاركة وتوسيعها لتشمل تمثيلاً أﻭﺳﻊ للمجموعات) وعلقت السعودية على هذه التوصية بالقول ( تقبل المملكة هذه التوصية في إطار التنظيمات والاجراءات المنظمة لذلك ، وخلال السنوات الماضية زار المملكة عدد من المنظمات الغير حكومية كان آخرها منظمة مراقبة حقوق الانسان ولعدة مرات ) وهذا يعكس الاعتراف القانوني على المستوى النظري والعملي بالمؤسسات الحقوقية الغير حكومية .

-         وبالتالي ادعاء المدعي العام أن التعامل مع المؤسسات الحقوقية جريمة هو أمر يتعارض مع القوانين والتزامات السعودية القانونية على المستوى الدولي ومع الممارسة العملية الذي تقوم بها الحكومة مع هذه المنظمات ، ومن اللطيف أن استعرض لكم ما ذكره المدعي العام في لائحة الاتهام ضد الناشط الحقوقي مخلف الشمري بالقول له " لا يصح الانتساب لهذه المنظمات الحقوقية لأنه لا يحمل صفة رسمية وأن كثيرا من تلك المنظمات تعتبر أن الالتزام بشرع الله منقصة ومثلبة".

-         وإذا كان لدى المدعي العام وجهة نظر ان هذه المؤسسات الحقوقية ذات الصفة الاستشارية تقوم بنشر معلومات مغلوطة فيمكنه أن يقوم بالطلب من الحكومة السعودية بالتوجه إلى لجنة المنظمات الغير حكومية بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي لتقوم بالشكوى هناك لنزع الصفة الاستشارية منها أو ايقاف عمل هذه المنظمة من التعاون مع الأمم المتحدة وآلياتها فهو الطريق الصحيح إذا استطاعت إثبات السعودية ذلك ضمن معايير التي حددها القرار 1996/31 .

-         وللمعلومية ان منظمة العفو الدولية لديها الصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي منذ عام 1964م ، ومنظمة هيومان رايتس لديها الصفة الاستشارية منذ عام 1993م ، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان لديه الصفة الاستشارية منذ عام 1997م ، ومنظمة فرونت لاين ( الخط الامامي ) لديها الصفة الاستشارية منذ عام 2004 .


الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

حراك الشارع السعودي جرس إنذار




انطلقت رياح التغيير من تونس، مرورا بمصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا بشكل رئيس، وصولاً إلى تحركات في بعض مناطق جغرافية محدودة في بعض البلدان؛ كالسعودية والمغرب والجزائر والأردن وسلطنة عمان والسودان ، وما يجرى في السعودية _ تحديدا _ لا ينفصل عما يجري في المحيط العربي، فالشعب السعودي يعيش حالة احتقان داخلي منذ عقود وكان يحتاج لمؤثر ينطلق من خلاله ليعبر عن أفكاره بحرية، فكانت الثورات العربية هي المحفز لظهور تطور نوعي في الحراك السياسي والحقوقي لم تشهده السعودية خلال العقود الماضية .

وكان بداية ذلك ببروز عدة مطالبات بالاصلاح في شهري فبراير ومارس 2011 على شكل بيانات منها (نحو دولة الحقوق والمؤسسات) و(رسالة 23 فبراير) و(اعلان وطني للاصلاح) و(مطالب الشباب إلى خادم الحرمين)  وكانت عريضة دولة الحقوق والمؤسسات هي الأبرز لكونها الوثيقة التي جمعت أطياف دينية وليبرالية وشبابية من مختلف شرائح المجتمع ووقع عليها أكثر من عشرة آلاف شخص، وهو البيان السعودي الأول الذي يحظي بهذه النسبة من الإجماع يعكس الاطار الاصلاحي للمجتمع السعودي من قبيل مطالبة الملك السعودي بتحويل نظام الحكم إلى ملكية دستورية وتشكيل برلمان منتخب تكون لديه جميع الصلاحيات التشريعية والرقابية، وكذلك إصلاح القضاء، ومحاربة الفساد، واطلاق حرية التعبير، والافراج عن سجناء الرأي، وحل مشكلات الشباب، وإزالة القيود التي تعيق انشاء مؤسسات المجتمع المدني.

الاحتجاجات في السعودية :

يمكن تقسيم الحركة الاحتجاجية في السعودية إلى مرحلتين زمنيتين المرحلة الأولى في عام 2011 تمظهرت على شكل اضرابات عمالية واعتصامات ومظاهرات.

ومن الأمثلة على الاضرابات العمالية ما قام به اكثر من 500 موظف من العاملين بمركز الاتصالات(كول سنتر) في شركة الاتصالات السعودية في 12-13/3/2011م في مدن الدمام والرياض وجدة بسبب اقتصار الحوافز السنوية التي تقدمها الشركة على 25% من الموظفين .

وفيما يرتبط بالاعتصامات فقد قام عدد من عوائل السجناء بالاعتصام أمام مقر وزارة الداخلية بالرياض ونفذوا ثلاثة اعتصامات وذلك للمطالبة بالافراج عن المعتقلين أو محاكمتهم وكان الاعتصام الأول نسائي شارك فيها حوالي 25 امرأة في يوم السبت 5/2/2011 وتعرضن جميعهن للتوقيف وتم الافراج عنهن لاحقا .

أما الاعتصام الثاني فقد كان بتاريخ 13/3/2011م والثالث في 20/3/2011م وشارك فيهما حوالي 500 شخصا ونتج عن هذه الاعتصامات اعتقال الدكتور مبارك بن زعير بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية حينما كان متوجها للاعتصام الثالث وتم توجيه التهم التالية له الافتئات على ولي الأمر و إثارة الفتنة و حضور مظاهرة غير مرخصة و عدم الاعتداد بفتوى هيئة كبار العلماء بالسعودية إلى أن تم الافراج عنه مؤقتا بتاريخ 29/2/2012م ولازالت قضيته منظورة في المحكمة الجزائية ، وفي اليوم التالي للاعتصام بتاريخ 21/3/2011م تم اعتقال الحقوقي البارز العضو المؤسس لجمعية الحقوق المدنية والسياسية محمد البجادي وتوجيه عدة اتهامات له منها دعوة أهالي المعتقلين السياسيين إلى التظاهر والإعتصامات وتم الحكم عليه من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة بالسجن أربع سنوات والمنع من السفر لمدة خمس سنوات. ، وعلى خلفية اعتقال النساء خلال الاعتصام الأول والمطالبة بتطبيق القوانين بحق المعتقلين أصدر الدكتور يوسف الأحمد عدة مقاطع فيديو يناشد فيه السلطات بالافراج عن النساء و الافراج عن المعتقلين أو محاكمتهم حسب ما تنص عليه القوانين السعودية ، وعلى أثر ذلك تم اعتقاله في 8/6/2011م على خلفيه اتهامه بنشر ما من شأنه المساس بالنظام العام، وما انطوى عليه من تأليب ضد ولي الأمر وإثارة الفتنة وحكم عليه بالسجن خمس سنوات وغرامة مئة ألف ريال من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة.

وأيضا ما قامت به ما لايقل عن مئة امرأة من معلمات محو الأمية (بندالأجور–مسائي) في يومي الأحد والاثنين 3-4/4/2011 أمام مكاتب وزارة الخدمة المدنية في كلاً من الرياض والدمام وذلك للمطالبة بأن يشملهن الأمر الملكي الصادر بتاريخ27/2/2012 بتثبيت موظفي بند الأجور وأتى هذا الاعتصام نتيجة تصريح المتحدث الرسمي لوزارة الخدمة المدنية عبدالعزيز الخنين بعدم شمول معلمات(بند محو الأمية مسائي) بالأمر الملكي ، ونتيجة هذه الاعتصامات صدر أمر ملكي بتاريخ 22/4/2011م بأن يشملهن التعيين.

في فبراير2011م قامت أعداد محدودة من المواطنين في شرق السعودية بالتظاهر سلميا للمطالبة بالافراج عن ثلاثة من سجناء الرأي وتم الافراج عنهم لاحقاً ، وكان ذلك الشرارة التي أشعلت المظاهرات وبدأت تنتشر في مختلف قرى ومدن محافظة القطيف، الأمر الذي شجع على خروج مظاهرات أخرى في محافظة الاحساء، و تزايدت أعداد المتظاهرين في شهر مارس 2011 لتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من خمسة عشر ألف متظاهر وكانوا يهتفون بشعارات العدالة والمساواة والافراج عن السجناء المنسيين؛ وهم تسعة سجناء تم اعتقالهم بعد تفجيرات الخبر التي حدثت في 29/6/1996م ولم تتم محاكمتهم رغم مرور أكثر من 17 عاماً خلف القضبان حسب ما تنقل عوائل السجناء ، بينما الرأي الحكومي في هذه القضية حسبما جاء في صحيفة الجزيرة السعودية العدد رقم(10838) بتاريخ 20/3/1423هـ الموافق 1/6/2002م في لقاء حواري مع الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية في وقت صدور هذا التصريح أنه صدرت " أحكام شرعية لابد ان يعلن عنها في الوقت المناسب، وكما هو معلوم الأحكام الشرعية تتم في المحكمة تنتقل بعدها إلى محكمة التمييز ثم مجلس القضاء الأعلى،ومن ثم رفعها للمقام السامي للمصادقة على الأحكام." وفي لقاء جمع بعض شخصيات القطيف مع حاكم المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد في مارس 2011 أبلغهم بصدور أحكام ضدهم لكنه لم يفصح عن هذه الاحكام وإلى الآن لم يعرف ماهية الأحكام مع نفي السجناء أنهم ابلغوا بأحكام صدرت ضدهم أو أنه تمت محاكمتهم ، وفي جميع الظروف يبقى ملف هؤلاء السجناء أحد المحفزات الرئيسية للمتظاهرين بمطالبة الحكومة بالافراج عنهم ففي الحد الأدنى أنهم قضوا 17 سنة ولا احد يريد أن يفصح عن التهم الموجهة لهم ولا الأحكام التي صدرت ضدهم – إن صحت رواية الحكومة – ، فهل عدم كشف الحكم يعكس أن محكوميتهم قد انقضت !! أو أن ذلك يعكس خللا بنيويا في العدالة الاجرائية التي تحيط بالقضية كما هو الحاصل في كثير من قضايا المعتقلين الذين قضوا سنوات عديدة بلا محاكمات أو إذا كانت هناك محاكمات فإنها بالتأكيد لا تتوافق مع معايير المحاكمة العادلة ، ويبقى السؤال مفتوحاً عن شفافية الاجراءات الجنائية والقضائية في السعودية لسجناء خلف القضبان أكثر من سبعة عشر عاماً لا أحد يعلم مصيرهم والحكومة لا تفصح بأي معلومات في هذا الشأن !!

يوم الغضب السعودية :

في11/3/2011م كانت هناك دعوة عامة للتظاهر في مختلف مناطق السعودية ، وأطلق على هذا اليوم (يوم الغضب) ولم يجد النداء صدىً يدفعه للنجاح لعدة أسباب منها غياب تجارب حركية مدنية لدى التيارات السنية في السعودية وغياب العمل المدني ووجود شخصيات تتبنى الحراك، إضافة لحالة الخوف التي خلقتها وزاة الداخلية السعودية بنشرها للدوريات الأمنية وقوات الطوارئ بشكل كثيف في مختلف المناطق، فضلا عن تسخير الدولة للطاقات الاعلامية والدينية لنشر فكرة تحريم التظاهر لكونه شكلا من أشكال الخروج عن ولي الأمر وبيان وزارة الداخلية الذي صدر في 5/3/2011م والذي أشار بوضوح أن من سيخرج للتظاهر سيكون معرض للاعتقال حيث نص أن " قوات الأمن مخولة نظاماً باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة بشأن كل من يحاول الإخلال بالنظام بأية صورة كانت وتطبيق الأنظمة بحقه ، وأيضا ساهم الوضع الاقتصادي الجيد إلى حد ما الذي يتمتع به العديد من فئات المجتمع في عدم دفع الناس للنزول للشارع والذي يأخذ أشكالاً عديدة من دعم بعض المنتجات الاستهلاكية والضمان الاجتماعي و نتيجة عدم نجاح هذا اليوم قام العاهل السعودي باصدار عدة أوامر ملكية ركزت على الجانب الاقتصادي دون التطرق للاصلاح السياسي.

تطور نوعي للحراك السني في السعودية :

في ظل هذه التداعيات وعدم وجود حلول سياسية حصل تطور لافت عند عوائل المعتقلين في منتصف عام 2012م، فقد قاموا بالدعوة للتظاهر بهدف المطالبة بالافراج عن المعتقلين؛ ونظموا على إثرها أربع مظاهرات، كانت الأولى في مجمع صحارى مول بالرياض بتاريخ 6/6/2012م،  والثانية في مجمع خريص بلازا بالرياض بتاريخ 6/7/2012م، والثالثة في مجمع النخيل بلازا ببريدة بتاريخ 13/7/2012م، والرابعة في أحد شوارع بريدة بتاريخ 23/7/2012م. وقد ضمت المظاهرات الثلاث الأولى متظاهرين من كلا الجنسين، ما عدا الأخيرة التي اقتصرت على الرجال فقط. وكان الجميع ينادون بشعارات من قبيل " فكوا العاني فكوا " و " الشعب يريد تحرير السجون " و " سلمية سلمية "، ورغم مناداتهم بالسلمية تم اعتقال ثمان نساء بعد تعرض بعضهن للضرب ليفرج عن ستة منهن بعد يوم واحد واثنتان بعد ثلاثة أيام ، وأيضا حصل اعتصام في مدينة جدة بتاريخ 25/7/2012 بالاضافة إلى عدة مسيرات بالسيارات في كلا من مكة المكرمة و الدمام ولا زالت الاعتصامات والمسيرات مستمرة من قبل عوائل السجناء بالرغم من اعتقال بعض الأفراد الذين شاركوا ومحاكمة البعض و بالرغم من صدور بيان وزارة الداخلية بتاريخ 11/10/2012 والذي أشار " ووزارة الداخلية إذ تعلن ذلك لتؤكد أهمية احترام الإجراءات العدلية الجارية بحق جميع المتهمين بجرائم الفئة الضالة وعدم التورط بالمساس بالإجراءات العدلية أو استقلالية القضاء أو أمانة القضاة والابتعاد عن المشاركة في أي تجمعات أو مسيرات حيث سيتعامل رجال الأمن بحزم مع كافة المخالفين وذلك وفق ما نصت عليه الأنظمة " إلا أن ذلك لم يمنع الأهالي من مواصلة نشاطهم السلمي من اعتصامات ومسيرات بهدف الضغط على وزارة الداخلية لايجاد حل لهذا الملف الشائك .

وبالرغم من قلة المشاركين في هذه المظاهرات أو الاعتصامات إلا أن النسق السريع والمتصاعد من ناحية عدد الاحتجاجات وتوزعها في مناطق مختلفة من المملكة وتفعيل الاعلام الجديد لا سيما في تويتر من قبل أهالي المعتقلين والمتضامنين معهم مثلت قفزة في قراءة الحراك السعودي الذي تجاوز إلى حد ما ذهنية تحريم المظاهرات من قبل بعض أفراد التيار السلفي؛ حتى بدأ يستخدمها كأحد وسائل الضغط للافراج عن المعتقلين، مع وجود دعم وتعاطف شعبي من قبل علماء دين بارزين وشخصيات تحظى باحترام كبير لدى شريحة واسعة من المجتمع السعودي، الأمر الذي ربما ينبأ باستمرارية هذه التحركات بوتيرة قابلة للتزايد في مناطق أخرى من المملكة مع التوقع بأن الدعم الالكتروني سيكون له النصيب الأكبر مع قلة في أعداد المشاركين .

الحراك الشيعي في المنطقة الشرقية :

وبالحديث عن المظاهرات في القطيف والاحساء، والتي كان سبب الرئيس لها حالة التمييز الطائفي الممنهج ضد المواطنين الشيعة والمطالبة بالافراج عن تسعة سجناء أمضوا أكثر من سبعة عشر عاما خلف القضبان والتي ابتدأت في القطيف منذ فبراير2011م ولا زالت مستمرة، فيما خرجت في الاحساء مظاهرتان في شهر مارس 2011م تم على إثرها اعتقال ما يقارب من 735 شخصا من القطيف والأحساء منهم 35 طفلا .
وقد تم الافراج عن حوالي 580 معتقل بعد أن أمضى أغلبهم أكثر من أربعة أشهر في مقابل حوالي 155 معتقلا لا يزالون رهن الاعتقال؛ بينهم حوالي 18 طفلا أعمارهم بين الخامسة عشر والسابعة عشر ربيعاً  استناداً إلى احصائيات مركز العدالة لحقوق الانسان بالسعودية . ومن أبرز المعتقلين الحاليين عضو مركز العدالة لحقوق الانسان فاضل المناسف، والصحفيين حبيب المعاتيق وجلال آل جمال، ورجلي الدين توفيق العامر ونمر النمر. 
و بسبب استخدام القوة المفرطة من قبل قوات الأمن سقط أربعة عشر قتيلا كانت معظم اصاباتهم في أماكن قاتلة، و ما لا يقل خمسين شخصا كانت إصابات بعضهم خطيرة .
وبالرغم من أن وزارة الداخلية وعدت بفتح تحقيق في المتسبب بالقتل و بالفعل قامت بعمل تشريح طبي للقتلى إلا أنه منذ سقوط أول قتيل؛ وهو الشاب ناصر المحيشي (19 سنة) في 21 نوفمبر 2011م، وصولاً إلى آخر قتيل؛ وهو الطفل محمد حبيب عبد الله المناسف (16سنة) في 8 يوليو 2012م لم تفصح أو تعلن وزارة الداخلية عن أي نتائج للتحقيق، وهذا ما دفع المتظاهرين لرفع شعار " القصاص القصاص ممن أطلق الرصاص ".

حلول سياسية لا أمنية:

إن سيطرة حالة الجمود السياسي على الوضع في السعودية مع ارتفاع منسوب الوعي عند المواطن، فضلا عن التغيرات الاقليمية التي تجري في العالم العربي؛ من بروز للارادة الشعبية التي انعكست في بلدان مجاورة لم تتعامل الحكومة مع الوضع الجديد بنظرة استباقية للدفع بعجلة الاصلاح السياسي، بل استمرت المعالجات الأمنية التي ثبت فشلها سابقاً واستمرار الوضع الحالي سيشكل خطرا حقيقاً على الاستقرار في السعودية إن لم يتم المسارعة بتجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم بصيغة عقد اجتماعي يكون للمواطن فيه دور فاعلٌ في المشاركة، وأن يتم وضع حلول جذرية للملفات التي تسببت ولا تزال تسبب الاحتقان لدى المواطنين ومن بينها ملفي المعتقلين والتمييز الطائفي اللذين يشكلان عبئا على الدولة نحو التنمية الانسانية للمواطن السعودي وليس الاقتصار على الحلول الاقتصادية التي هي خيارات قصيرة الأجل ومسكنات للأزمة السياسية لا أكثر .


الأربعاء، 1 أغسطس، 2012

شيطنة السعوديين الشيعة

لا يمكن الحديث عن الشيعة في السعودية دون ذكر التمييز الطائفي الممنهج الذي يلتصق بهذه الطائفة منذ أكثر من قرن، التمييز الذي كان ولا يزال يؤثر على حياة مليوني شيعي ، حيث يعانون سياسات صارخة لم تكتفِ بإقصائهم وطنيا عبر عزلهم عن كثير من المناصب السياسية الحكومية في الادارات العليا والوسطى، بل ضيقت عليهم فضاء حريتهم الدينية حد الاختناق، فبدءاً بمنع الكتاب الديني من دخول البلاد، وانتهاء بمنع تنفيذ قضاء شيعي مستقل يرجعون إليه للاحتكام في جميع أمورهم وقضاياهم، مرورا بمنع المدارس الدينية، وبناء المساجد الشيعية خارج القطيف والاحساء، بل والمدينة المنورة التي يقطنها أكثر من سبعين ألف مواطن شيعي منذ الفجر الأول للاسلام لازالت تفتقر لمساجد وحسينيات يؤدون فيها شعائرهم الدينية، الأمر الذي دفع المواطنين الشيعة في مناطق مختلفة من المملكة توظيف المساكن لاقامة الشعائر في ظل منع شديد وتضييق أشد تمارسه السلطات للسماح لهم بإنشاء أماكن مخصصة للعبادة.

يحصل ذلك كله رغم ما تفيض به أكواب الثقافة السعودية بالانتاج الشيعي في مختلف المجالات الأدبية والفكرية، إذ لم يشفع ذلك عند وزارة الثقافة والإعلام؛ والتي بقيت متصلبة أمام إعطاء تصاريح للمجلات الفكرية التي يرأس تحريرها شخص شيعي كمجلة (الكلمة)، وهي مجلة فصلية فكرية تناقش قضايا الفكر الإسلامي وقضايا العصر والتجدد الحضاري، وقد صدر منها حتى الآن خمسة وسبعون عددا، ومنذ سنوات يسعى القائمون عليها للحصول على تصريح ويقابل بالرفض في كل مرة، وهو نفس المصير الذي تواجهه مجلات أخرى بذات الأسلوب العنصري، كمجلة (الواحة) وهي مجلة فصلية تعني بشؤون التراث والثقافة والأدب في الخليج العربي ومجلة (الفقاهة) التي تهتم بالدراسات والبحوث الفقهية. 

في ظل هذا الوضع الخانق للأقلام الشيعية، نجد على الصعيد الإعلامي ندرة المشاركات الشيعية في الإعلام المقروء والمسموع، ذاك أنه في الحين الذي تصدر فيه من السعودية يومياً أربعةَ عشر صحيفة، لا تجد عدد الكتاب الشيعة فيها يزيد على خمسةٍ وعشرين كاتباً.

إن تهميش الأقلية الشيعية في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية _ رغم ما تمثله من نسبة كبيرة شرق المملكة_ حرمها من خيرات أرضها التي تقطنها، والتي تعد أغنى منطقة بترولية في السعودية فضلا عن العالم.

لقد دخلت منطقة القطيف والأحساء طواعية تحت كنف الدولة السعودية الثالثة في عام 1913م، وقام الشيعة حينها بمئات الزيارات للملوك السعوديين؛ ابتداء من الملك عبدالعزيز، وصولاً إلى الملك عبدالله بن العزيز، قدموا خلال تلك الزيارات آلاف الخطابات والعرائض عن مظالمهم كأقلية شيعية تعاني غياب المساواة.
ورغم استحسان صانع القرار السعودي لهذا الأسلوب في المناصحة البعيدة عن العلن إلا أن ذلك لم ينعكس على واقع الشيعة ايجاباً؛ فلا زالت المشكلات التي يعاني منها الشيعة تزداد تعقيداً، يضاف لها مشكلات أخرى جديدة أشد تعقيدا، كاتهام الشيعة بولائهم لإيران، وصناعة الكراهية التي يقوم بنشرها بعض السلفيين ضد الشيعة، مما تزيد حالة الاحتقان المذهبي من خلال فرز الناس بناء على مذهبهم وليس على مبدأ المواطنة، خصوصا مع غياب الهوية الجامعة وتجذر الهويات الفرعية في المجتمع السعودي دون قيام الحكومة السعودية بأي دور فاعل في وضع حلول جذرية للمشاكل الاساسية ولعناصر التأزم التي تؤثر على الاستقرار السياسي، ذاك أنها تعيش حالة من الجمود السياسي في معالجة مختلف الملفات السياسية ومنها ملف التمييز الطائفي ضد الشيعة.
الانتفاضة الشيعية :
في عام 1979م خرج الآلاف من الشيعة في مظاهرات سلمية ترفض التمييز الطائفي وتطالب بالعدل والمساواة بين جميع المواطنين، وقد عمت هذه المظاهرات والاحتجاجات جميع قرى القطيف ومدنها، وتم مواجهتها من قبل الحرس الوطني، مما أدى إلى اعتقال المئات وإصابة العشرات وسقوط ما لا يقل عن خمسة عشر قتيلاً .
المعارضة الشيعية في الخارج:
نتيجة ما جرى للمواطنين الشيعة تكونت أول معارضة شيعية في الخارج، وكان من أبرز قياداتها الدينية الشيخ حسن الصفار؛ العالم الشيعي البارز، وكلٌ من الدكتور حمزة الحسن، والدكتور توفيق السيف، والدكتور فؤاد الابراهيم، والدكتور صادق الجبران، والمهندس جعفر الشايب.
وقد لعبت المعارضة الشيعية دورا فعالاً، فكان لديها مكاتب في كلا من ايران وسوريا وبريطانيا وأمريكا، وكانت تقوم بعمل سياسي ضاغط لفضح ما يجري من انتهاكات للمواطنين الشيعة بشكل خاص؛ في الوقت الذي كانت تتطرق للخلل في النظام السياسي. ويذكر روبرت ليسي في كتابه ( المملكة من الداخل ) " كان الشيخ حسن الصفار في صيف 1990م يقود أشرس معارضة واجهها آل سعود حتى ذلك التاريخ ".
من جانب آخر لعبت المعارضة الشيعية في المجال الحقوقي دورا فاعلاً، فمن يرجع لوثائق العديد من المنظمات الحقوقية في حقبة الثمانينيات والتسعينيات يجد أنها تطرقت إلى ما كان يجري على الشيعة في السعودية من اضطهاد. يذكر روبرت ليسي في كتابه السالف الذكر أنه في عام 1990م قام الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض بزيارة أمريكا وحضور المعرض الدعائي الذي أقامته الحكومة بعنوان ( السعودية بين الأمس واليوم )، وهناك كان متظاهرون سعوديون في استقباله حيث كانوا يرددون شعار " يا سلمان يا سلمان، أين حقوق الإنسان "، مما أنتج حالة معاكسة لما خطط له منظمو المعرض الذي كلف الملايين لتحسين صورة السعودية. 
ورغم القوة التي كانت تتمتع بها المعارضة إلا أنها ساندت الحكومة السعودية في موقف مشرف ، فحينما نشبت حرب الخليج الثانية وغزا صدام حسين دولة الكويت في سبتمر 1990م وفرت السعودية جميع امكانياتها السياسية والعسكرية والمالية والجغرافية لدعم الكويت واستعانت لذلك بقوات التحالف لتحرير الكويت، عندها حاول صدام التقرب من المعارضة الشيعية لتسانده في هجومه على السعودية وذلك بعرض العديد من الاغراءات، إلا أن موقف المعارضة كان حازما ليس فقط بعدم مساندة صدام حسين فقط، بل بتجميد العمل السياسي والاعلامي للمعارضة ، لأن السعودية كانت في حالة حرب تتطلب أن يقف جميع مواطنيها صفاً واحداً لا يمكن له أن يتحقق دون تجميد الخلافات ليتمكن الوطن من مجاوزة الأزمة ، وقبل ذلك قامت المعارضة باغلاق مكاتبها في ايران للحفاظ على الاستقلالية .
موقف المعارضة هذا أرسل رسالة ايجابية للحكومة السعودية مفادها أن المعارضة تتمتع بحس سياسي وأخلاقي عالي المستوى، وقد تأكد لها ذلك بشكل غير متوقع من خلال دعوة زعيم المعارضة الشيخ حسن الصفار المواطنين الشيعية بالالتحاق في صفوف الجيش السعودي لحماية الوطن من أي مخاطر خارجية.
ولقد تعاملت الحكومة السعودية مع هذا الموقف المشرف للمعارضة بعد انتهاء حرب الخليج بشكل ايجابي، حيث بدأت بتجسير العلاقة مع المعارضة والدخول معها في مفاوضات سرية انتهت بمصالحة تمت عام 1993م قامت فيها المعارضة  بحل جميع أطرها التنظيمية وإغلاق مكاتبها في الخارج وعودة جميع المعارضين للمملكة دون أن يتعرضوا لملاحقات أمنية ، على أن تقوم  الحكومة بحل مسألة التمييز الطائفي للمواطنين الشيعة عبر اعترافها بالمذهب الشيعي كمذهب خامس، والسماح بوجود مجلات وجرائد دينية شيعية، كذلك السماح بدخول الكتب الشيعية للدولة، وإنشاء المدارس الدينية، وفتح الجامعات، وتمكين الشيعة في الوظائف المرموقة الحساسة والمؤسسات السياسية والعسكرية للمواطنين الشيعة، بالإضافة إلى الاهتمام العمراني والخدماتي بالمناطق الشيعية.
بعد عشرين عاماً من المصالحة لا يزال المواطنون والقيادات الشيعية يرون عدم تحقق الوعود وتحولها إلى واقع ملموس، وهذا ما شعر به بعض السياسيين الشيعة منذ وقت مبكر وأدى بهم إلى الرجوع مجدداً للعمل المعارض في الخارج أمثال الدكتور حمزة الحسن والدكتور فؤاد الإبراهيم ، بينما راهن آخرون أمثال الشيخ حسن الصفار والدكتور توفيق السيف و المهندس جعفر الشايب على الاصلاح من الداخل عن طريق تعزيز القوى الاجتماعية المحلية وتقوية العلاقة مع مكونات الطيف الوطني واقامة علاقة بناءة مع السلطة. 
المبادرات الشيعية:
في ظل حالة الجمود السياسي قام المواطنون الشيعة بمبادرتين رئيسيتين،عنونوا الأولى عام 2003هـ بـ ( شركاء في الوطن )، قدموها لولي العهد السعودي في حينها الأمير عبدالله بن عبد العزيز، وقد تضمنت بلغتها السياسية الراقية جميع المطالب الشيعية التي تهدف في جوهرها إلى تحقيق وترسيخ مبدأ المواطنة بين جميع المواطنين.
أما المبادرة الثانية فكانت في عام 2008، حيث عنونت بـ ( مشروع اندماج الشيعة في الإطار السياسي الوطني: برنامج عمل لمعالجة التمييز الطائفي )، وقد تم تقديم هذا المشروع لولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز. وكان المشروع يتضمن تحقيق حاجتين متوازيتين هما:
1/ تخلُّص الشيعة نهائيا من مشكلة التمييز والتهميش القائم على مبررات مذهبية، والحصول على معاملة متساوية على قاعدة المواطنة.
2/ تخلُّص الدولة نهائيا من القلق الذي يتسبب فيه الانقسام المذهبي وما يؤدي إليه من تحول الطائفة الشيعية الى بيئة مساعدة للانشقاق على الدولة ومعارضتها، كذلك التخلص من ارتياب الدولة تجاه علاقة الشيعة بمرجعياتهم الدينية، وبشكل عام المجتمعات الشيعية في الخارج.
كلتا المبادرتين لم يتم الاستجابة لهما من قبل المسؤولين في الحكومة السعودية، وبقيت علاقة الشيعة بالدولة علاقة متأزمة محتقنة؛ رغم أن الحالة الظاهرية تحكي خلاف ذلك في ظل مشاركة المواطنين الشيعة في الحوار الوطني الذي دعى له العاهل السعودي الملك عبدالله في عام 2003م، ودعى له جميع الأطياف الدينية والفكرية، وكان الجميع يرجون منه خيرا، غير أن توصيات الحوار الوطني بقيت حبرا على ورق مما أشعر دعاة الاصلاح سنة وشيعة بالخيبة مرة أخرى.
أضف إلى ذلك أن العديد من المبادرات منذ ابتداء الاحتجاجات في القطيف في فبراير 2011 تم تقديمها إلى حاكم المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد وكان الهدف منها تخفيف الاحتقان الشعبي، ومنها المبادرة الشبابية التي قام بها مجموعة من الشباب في 30 مارس2011م، وكانت في ثلاثة محاور هي الحقوق الانسانية، والحقوق الوطنية، والحقوق الدينية إلا أنها كمثيلاتها تتنظر قرارا سياسياً لتحويلها إلى واقع عملي .
وبالإضافة إلى وجود مبادرات شيعية تعتني بالمسألة الشيعية، كان للشيعة مشاركة فعالة في العمل الاصلاحي والوطني مع مختلف الأطياف الدينية والفكرية في السعودية.
المواطنة مخرج الأزمة :
الملف الشيعي واحد من الملفات التي تسبب الاحتقان عند المواطنين في السعودية دون وجود أي مبادرات من طرف الحكومة السعودية نحو معالجة حقيقية له وتسويف الحل السياسي أدى إلى خروج احتجاجات في شرق السعودية تأثرا بالربيع العربي للمطالبة بانهاء التمييز الطائفي والذي انعكس بتأزم العلاقة بين الحكومة والمواطنين الشيعة ووصولها إلى مرحلة سيئة خصوصاً مع صمت الحكومة عن المتطرفين الذين يقدحون في الشيعة ليلاً ونهاراً دون قيام الحكومة بواجبها بردعهم والذي سينعكس سلبا على استقرار الوطن على المدى المتوسط والبعيد ما لم تقم الحكومة بخطوة سريعة نحو تحقيق المساواة بين المواطنين وسيادة القانون لكي تتحق التنمية الانسانية في أحد صورها وصولاً إلى تمتع جميع المواطنين بالحريات والعدالة الاجتماعية وضمان حقوق الانسان .

الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

اندماج الشيعة في الاطار السياسي الوطني

اندماج الشيعة في الاطار السياسي الوطني
برنامج عمل لمعالجة التمييز الطائفي
ينشر الكترونيا لأول مرة

ملخص تنفيذي

وضع مشروع "اندماج الشيعة في الاطار السياسي الوطني" بناء على مناقشات موسعة بين وجهاء ومثقفي الشيعة فضلا عن النقاط التي اثيرت في اللقاءت مع كبار المسؤولين في الدولة خلال السنوات الماضية. وهو مقدم الى القيادة الرشيدة كبرنامج مقترح لاستعادة العلاقة الطبيعية بين المواطنين الشيعة وحكومتهم الرشيدة.
يحقق هذا المشروع حاجة الموطنين الشيعة في الحصول على حق المساواة ، وحاجة الدولة في التخلص من القلق الناتج عن الانقسام المذهبي وما يترتب عليه من مشكلات امنية وسياسية.
 يقوم هذا المشروع على قاعدة النظام الاساسي للحكم في المملكة ولا سيما البنود 8،12، 38 ويتضمن استراتيجيات عملية قابلة للتطبيق التدريجي وغير مكلفة سياسيا او امنيا.
وهو يبدأ بتوضيح مفهوم "الاندماج الوطني" ، ثم يقدم تصورا للحل على ثلاثة مسارات : التمثيل الوظيفي ، والتطبيع الاجتماعية وتحييد العنصر المذهبي في العلاقة بين الحكومة ومواطنيها الشيعة. ويعرض مقترحات محددة. ويامل مقدمو المشروع ان يعرض للمناقشة بصورة نظامية لاختبار مصداقيته او تعديله او استبداله بمشروعات اكثر تقدما.


ديباجة :

طوال العقود الماضية بذل وجهاء ومثقفو الطائفة الشيعية جهودا متواصلة لمعالجة الاشكالات المزمنة في العلاقة بين المجتمع الشيعي وبين الحكومة الرشيدة ، وهي اشكالات ازدادت سوءا في ظل التطورات السياسية في المنطقة ككل، وحل الارتياب المتبادل محل الثقة المتبادلة لفترة طويلة نسبيا. وفي العام 1993 اتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك فهد طيب الله ثراه مبادرة استثنائية بفتح الحوار على مصراعيه، وبادر بتصفية القضايا الامنية التي كانت تشكل عبئا كبيرا على الطرفين، ووعد بحل جميع المشكلات وصولا الى تحقيق مبدأ المساواة الكاملة ومعاملة الشيعة كمواطنين سعوديين اولا واخيرا. وقد فتحت تلك المبادرة التاريخية افقا جديدا في حياة المواطنين الشيعة، وجرى حل العديد من المشكلات، الامر الذي اوجد قدرا كبيرا من الثقة والمحبة، وساعد على ازالة الاحتقانات والتوترات وصان البلاد - ولله الحمد - من شر الانعكاسات السلبية لما حدث في الخارج ولا سيما في السنوات الاخيرة.
منذ ذلك التاريخ جرت تطورات كبيرة في الحياة العامة في المملكة منها مثلا الاقرار بواقع التعددية المذهبية في البلاد ، ورعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله اعزه الله للحوار الوطني الذي ترك اثرا بالغا في التفاهم بين المواطنين . وعلى مستوى الطائفة الشيعية فقد تطورت رؤية عامة الناس الى الدولة ، فاصبحوا اكثر تفاؤلا واقوى ميلا للتفاعل الايجابي معها . ويظهر هذا بوضوح اكبر على مستوى النخبة والطبقات الحديثة ، وهو واضح ايضا على مستوى القاعدة الشعبية . في هذا السياق فان الاكثرية الساحقة من المواطنين الشيعة اصبحت تؤمن بالتعاون مع الدولة كطريق وحيد لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية .
في الوقت الحاضر يشعر وجهاء الطائفة الشيعية بان الحوارات السابقة مع الدولة ووثيقة "شركاء في الوطن" التي سبق تقديمها الى خادم الحرمين الشريفين امد الله في عمره ، في ابريل 2003 ، قد اوصلت العلاقة الى مستوى متقدم يستوجب الارتقاء بنوعية الحوار وموضوعاته واغراضه المباشرة. كما ان التطورات الاقليمية والمحلية، والحراك السياسي الاصلاحي الذي شهدته المملكة خلال الاعوام الثلاثة الماضية، واعلان الحكومة عزمها على الاصلاح، ثم تولي الملك عبد الله للعرش، قد احدثت تعديلا نسبيا في الموازين والرؤية السياسية بما يستوجب الانتقال الى مرحلة جديدة تبني على معطيات الحوار القائم منذ سنوات كما تستجيب للتحديات الجديدة.
للمبررات السابقة جميعا ، نعرض هذه الورقة التي تدعو لحل نهائي للمسألة الطائفية في المملكة وفتح صفحة جديدة في حياة المواطنين الشيعة ، عنوانها: الشيعي السعودي سعودي اولا واخيرا . ونعتقد ان هذا سيكون ذا اثر عميق في صيانة امن البلاد واستقرارها وتطورها وانسجامها الاجتماعي. تدور مقترحات هذه الورقة حول محور محدد هو "اندماج الشيعة في النظام السياسي".

يحقق هذا المشروع حاجتين متوازيتين :

** حاجة للطائفة الشيعية تتمثل في التخلص نهائيا من مشكلة التمييز والتهميش القائم على مبررات مذهبية ، والحصول على معاملة متساوية على قاعدة المواطنة ، أي كون الشيعة سعوديين اولا ، لهم جميع الحقوق التي يحصل عليها بقية المواطنين وعليهم نفس الواجبات والالتزامات في اطار النظام الاساسي للحكم.
** وحاجة للدولة تتمثل في التخلص نهائيا من القلق الذي يتسبب فيه الانقسام المذهبي وما يؤدي اليه من تحول الطائفة الشيعية الى بيئة مساعدة للانشقاق على الدولة ومعارضتها ، وكذلك ارتياب الدولة تجاه علاقة الشيعة بمرجعياتهم الدينية وبشكل عام المجتمعات الشيعية في الخارج . وهي مشاعر نتفهم اسبابها بغض النظر عن رأينا في صحتها او خطئها.

الاساس النظري للمشروع

يقوم هذا المشروع على قاعدة نظرية واخلاقية محددة هي مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات. حيث نص النظام الاساسي للحكم في المملكة بصورة صريحة على المساواة بين السعوديين ، فضلا عن كونه مبدأ ثابتا وقيمة عليا دينية وسياسية. ومن هنا فان الشيعة لا يطالبون باكثر من وضع بنود النظام الاساسي ذات العلاقة ولا سيما البنود 8،12، 38 موضع التنفيد ، والتعامل معهم على اساسه كمواطنين متساوين مع بقية المواطنين في الفرص وامام القانون .
ويتضمن هذا المشروع استراتيجيات مقترحة للوصول الى تطبيق كامل لمفهوم المساواة كما ورد في النظام الاساسي الذي يمثل القانون الاعلى في البلاد والمرجع لجميع السياسات والقوانين .
يدعو هذا الى تعزيز مفهوم المواطنة، ومعالجة العنصر المذهبي في العلاقة بين الدولة والمجتمع الشيعي. ان المطالبات ذات الطبيعة المذهبية التي يقدمها احد الطرفين للاخر، لا تمثل قاعدة العلاقة بينهما . واذا كانت مقبولة لاغراض مرحلية ولتمهيد الطريق امام تعزيز التفاهم والثقة المتبادلة، فانها مقبولة في هذا الاطار فقط، أي باعتبارها مرحلية وتكتيكية. وهي مقبولة طالما كانت تقود الى تحقيق المساواة التي يضمنها النظام الاساسي .

معنى الاندماج :

يعالج مفهوم "الاندماج الوطني" مشكلة الانقسام في الدول المتعددة الاعراق او المذاهب ، لا سيما تلك التي يشكل فيها هذا الانقسام ارضية للموقف السياسي او التعامل او توزيع الفرص او اتخاذ القرارت الادارية. وتبرز المشكلة بصورة اعمق حين تمارس  الدولة تمييزا معلنا او مستترا ، محميا بالقانون او خارج اطار القانون، ضد فئة من المجتمع الوطني تتمايز عن البقية من حيث العرق او القومية او اللغة او المذهب او الدين .
وبغض النظر عن المجادلات حول طبيعة سياسة الدولة تجاه الشيعة السعوديين، وموقف هؤلاء تجاه الدولة، فانه يمكن القطع بان هناك سياسة تنطوي على تمييز ضد مجموع الشيعة. من المفهوم ان ظهور هذه السياسة يرجع الى ازمان قديمة وضمن فلسفة سياسية خاصة وظروف خاصة. ومن الواضح اليوم ان الدولة تسعى الان للبناء على فلسفة جديدة تتناسب مع التطورات المنجزة على المستوى الوطني والتغير الشامل على مستوى العالم، ومن ضمنه معالجة مشكلة التمييز الطائفي. لكن يجب الاشارة الى ان المدى الزمني الطويل الذي مورست خلاله تلك السياسة قد ادى الى توليد حالة من الارتياب في العلاقة بين الطرفين. ويشعر الشيعة – بسبب ذلك - بالغبن والمظلومية، اثر في بعض الاحيان على موقفهم من الدولة ، وشكل مصدرا للتوتر الامني والسياسي.
 مفهوم الاندماج يعني ازالة الاسباب التي تعيق المشاركة الطبيعية للشيعة في الحياة العامة للبلاد ، ويؤدي الى التخلص نهائيا مما نعتبره مشكلة طائفية في المملكة تسبب القلق للدولة والمواطنين على حد سواء. يتحقق الاندماج حين يشعر الشيعة بان الدولة دولتهم كما هي دولة جميع المواطنين ، وليس القوة الغالبة فوقهم ، وحين يشعر قادة البلاد بان الشيعي هو مواطن طبيعي مثل غيره ، يتمتع بنفس الفرص المتاحة ويتحمل نفس المسؤوليات ، وان القانون الوطني هو المرجع الوحيد في التعامل معه . ونقترح ثلاثة مسارات لتحقيق فكرة الاندماج : التمثيل الوظيفي ، التطبيع الاجتماعي ، وتحييد الجانب الديني  في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة.

اولا - التمثيل الوظيفي

التمثيل الوظيفي يعني تحديدا فتح الباب امام الشيعة للحصول بشكل طبيعي على الوظائف في مختلف مستويات الادارة الحكومية بما يتناسب مع حجمهم النسبي وما يملكون من كفاءات . في الوقت الراهن ثمة سدود وقيود تحول دون حصول الشيعة على مناصب معينة او الارتقاء الوظيفي الى مستويات معينة ، وهناك هيئات حكومية تخلو تماما من وجود الشيعة في الادارات الوسطى ، كما ان الوظائف العليا (الدرجة 14 فما فوق) تخلو تماما الا من افراد يعدون على اصابع اليد الواحدة . ينبغي ان يتمثل الشيعة في كل القطاعات الادارية والدبلوماسية والسياسية كما في الاقتصاد والإعلام . فلا معنى للاندماج بدون تمثيل اعتيادي في مؤسسات الدولة يقوم على الكفاءة والمنافسة العادلة. لا يمكن الوصول الى هذه الغاية الا بقرار سياسي يستهدف بشكل مباشر إلغاء الحواجز والموانع التي تحول دون وصول الشيعة إلى مناصب عليا في الدولة .
التمثيل من خلال الوظائف هو احد الحلول الفعالة لتحقيق الاندماج لانه من ناحية يمكن الدولة من التعرف المباشر على هموم المجتمع الشيعي ومشكلاته وتطلعاته ، ويوفر لها قنوات طبيعية للتدخل والمعالجة والتاثير من دون اللجوء الى الاساليب التي ربما تنطوي على تعسف ، او تصدر عن تصورات غير دقيقة . من ناحية اخرى فانه يمكن المجتمع الشيعي من التعرف على الطرق القانونية والسليمة لحل مشكلاته ونقل همومه الى قادة البلاد ، وهذا يؤدي كما هو معروف في علم الادارة وفي تجارب الامم الاخرى الى عقلنة المطالب ، وتسويد الاساليب الهادئة والودية في العلاقة . وفي نهاية المطاف فانه يزيل حالة الاحباط التي يشعر بها الكثير من اعضاء المجتمع ، لا سيما اصحاب الكفاءة والطموح الذين يظنون ان الطريق امامهم مسدود ، وان خيار الارتقاء الحياتي والوظيفي في اطار الادارة الحكومية نادر او معدوم بسبب العوائق المذهبية. فتح الباب لتوظيف الشيعة في المراكز التي بقيت مغلقة حتى الان ، سوف يعيد تشكيل صورة الدولة في عيون الشيعة باعتبارها دولتهم ايضا وهي دولة كل السعوديين بغض النظر عن مذهبهم ، وهذا سوف ينعكس بعمق على فكرة الولاء للوطن والدولة ، وسوف يجعل الشيعي مدافعا عن الدولة مثل دفاعه عن الوطن والدين .

العوائق السياسية والعوائق الادارية

يصل الموظف الى المراتب العليا بطريقين : الاول هو الترقية بقرار سياسي ، كما هو الحال في وظائف الدرجة 14 وما فوق . اما الثاني فهو التدرج الوظيفي من المراتب الوسطى الى الاعلى. ويواجه الشيعة عسرا في كلا الطريقين . فخلال نصف قرن لم يصل مجموع الشيعة الذين حصلوا على ترقيات بالطريق الاول الى عشرة اشخاص. اما الطريق الثاني فهو مسدود تماما ، فهناك دوائر حكومية (وزارة الخارجية مثلا) لا تسمح اطلاقا بتوظيف الشيعة في أي من وظائف الادارة الوسطى، وبالتالي فان طريقهم الى المراتب العليا مغلق بالضرورة . وثمة دوائر اخرى تتجاهل او تتغافل عمدا الموظفين الشيعة المشهود لهم بالاهلية والكفاءة، فلا يتجاوزون المراتب المتوسطة التي وصلوا اليها ، وينتهي بهم الامر الى التجميد او الاحالة على التعاقد بينما يرتقي زملاؤهم بصورة طبيعية الى المراتب الاعلى . وهذا الصنف شائع في جميع الوزارات . من هنا فان المواطن الشيعي يشعر بالغبن والاحباط لان كفاءته لا تفتح له الطريق للارتقاء الوظيفي وخدمة وطنه ، بينما تتاح لغيره ولو كان  اقل منه اهلية.
ان التوصل الى حل عبر كلا الطريقين يحتاج الى قرار سياسي من خلال تعيين عدد من الشيعة الاكفاء في المراتب التي يجري شغلها بناء على قرار سياسي ، وهي المراتب 14 فما فوق . وقرار سياسي يسمح لهم بالارتقاء الطبيعي في جميع دوائر الدولة ، بما فيها تلك الادارات والوزارات التي لا زالت مغلقة عليهم .

الجانب الرمزي والسياسي في مسألة التمثيل

يشعر المواطنون السعوديون جميعا بالالم بسبب كثرة ما يقال عن ممارسة بلادهم لسياسة التمييز الطائفي. لكن من ناحية اخرى فان هناك انطباعا منتشرا بين عامة المواطنين بان الشيعة السعوديين هم "صنف ثاني" او غير موثوقين من الدولة او غير مقبولين الخ . وبسبب هذا الانطباع فان بعض الاداريين لا يتورع عن تقديم غير الشيعي على الشيعي بغض النظر عن المؤهلات الشخصية لكل منهم ، ويظهر هذا بشكل اوضح حين يجري التنافس على وظائف نادرة او رئيسية ، وحين يكون المنافس قريبا او ذا علاقة بصاحب القرار . وهذا امر معروف للاسف في الدوائر الحكومية . ويبرر عادة بان الدولة لا ترغب في الشيعي او انه غير موثوق ، او غير مدعوم . ومع علمنا بان الكثير من هذه الممارسات والمبررات غير مرضية عند قادة البلاد ، الا انها واقع قائم ويحتاج الى علاج . وفي رأينا ان تعيين عدد من الشيعة في وظائف ذات قيمة رمزية مثل وزير او وكيل وزارة او سفير سوف يمثل رسالة الى الجميع بان الدولة لا تميز بين مواطنيها ، وانها مفتوحة لجميع الاكفاء دون نظر الى مذاهبهم . وان السعوديين جميعا اكفاء لبعضهم ومتساوون امام القانون .
خلاصة القول ان تعيين عدد من الشيعة في مناصب عليا سوف يعالج كثيرا من المشكلات وسوف يساعد بفاعلية في ادماج الشيعة في النظام السياسي، الامر الذي يخلصهم من حالة الاحباط ويعزز ولاءهم للدولة، كما انه من جانب اخر سيخلص الحكومة من حالة الارتياب في موقف الشيعة وتاثير اختلافهم المذهبي على موقفهم السياسي، ويوفر لها قناة فعالة للتاثير على المجتمع وقيادته على افضل الوجوه. واخيرا فانه يخلص الدولة من تبعة التصرفات التي يمارسها البعض بدوافع خاصة، مع انها تخدش صورة المملكة امام مواطنيها وامام العالم.
الاجراءات المقترحة :
1-      تعيين عدد من الشيعة في وظائف ذات قيمة رمزية مثل وزير او وكيل وزارة او سفير وما اشبه.
2-   تعيين مستشارين من الشيعة في المواقع التي ترد اليها قضايا تتعلق بهم مثل الديوان الملكي او ديوان سمو ولي العهد او امارة المنطقة وسواها كي تكون عينا للدولة الرشيدة على اوضاع هذه الطائفة وما تتطلع اليه وما يعرض لها.
3-   رفع الحظر (المقصود او العفوي) على توظيف الشيعة في المراتب الادارية المتوسطة والعليا في معظم الوزارات لا سيما وزارة الخارجية والعدل والداخلية . ونشير هنا الى ان مدينة القطيف ذات الاغلبية الشيعية لم يعين فيها مدير بلدية من اهلها منذ ثلاثين عاما وحتى الان. كما ان رئاسة تعليم البنات تخلو تماما من اداريات من الشيعة ، وكذلك الحال في وزارة التعليم العالي رغم كثرة المؤهلين وقدامى الاساتذة.
4-   معالجة العوائق التي تحول دون ارتقاء الموظفين الشيعة الطبيعي في الوظائف الحكومية ، من خلال توجيه محدد بهذا الشأن وتعيين جهة للشكوى في حال حدث تمييز من هذا النوع.

 

ثانيا : التطبيع الاجتماعي

بذلت الحكومة والنخبة المثقفة في البلاد جهودا طيبة لتخفيف المشاعر الطائفية التي تصعد الى السطح بين حين وآخر. ولعل ابرز تلك المبادرات هو مؤتمر الحوار الوطني الذي رعاه الملك عبدالله اعزه الله. والذي اثبت ان السعوديين قادرون على حل مشكلاتهم وخلافاتهم في اطار بلدهم وتحت رعاية حكومتهم . ونحن نرى اليوم الكثير من الثمار الطيبة لتلك المبادرة.  نحن بحاجة الى مواصلة وتوسيع هذا المنهج والتركيز على هدفه الاساسي وهو جعل المواطنة والانتماء الى الوطن المعيار الاعلى في العلاقة بين السعوديين .
 ان سنينا متطاولة من التفارق والتشاحن المذهبي لا يمكن علاجها بين ليلة وضحاها . لكن الظروف الحالية تسمح لنا بالقول ان هذا العلاج سيكون ممكنا وقريب المنال . لكي نعالج المشكلة فيجب اولا تحديدها ، ونعتقد ان جوهرها يكمن في اعتبار الشيعة السعوديين "شيئا مختلفا" او "غريبا" ، ولهذا فان البعض لم يتورع عن نسبتهم الى الخارج او اعتبارهم عبئا الخ . ولهذا السبب ايضا فقد بات ظهور المواطن الشيعي على الصعيد الوطني العام مسألة تلفت النظر وكأنها حالة فريدة . في الحقيقة فان استمرار هذه الحالة سوف يبطيء او ربما يعيق الجهود الطيبة التي تبذلها الحكومة والنخبة المثقفة لاشاعة التفاهم وتعزيز مسيرة البناء الوطني الشامل وتحقيق الاجماع التام وراء الدولة والقيادة .
علاج هذه الحالة يكمن في تطبيع الوجود الشيعي على المستوى الوطني ، وقد اشرنا سلفا الى دور الوظيفة الحكومية في هذا المجال، ونشير الان الى الوسيلة الاخرى الفعالة ، اي الاعلام. فالواضح ان كثيرا من السعوديين لم يتعرفوا على مواطنيهم الشيعة الا في الفترة الاخيرة وذلك بفضل الوسائل الاعلامية ، المحلية والاجنبية. ندرك ان وسائل الاعلام الخارجية لا يمكن ان تقوم بهذه المهمة، وربما تستخدمها في غير مصلحة البلاد. ان تحفظ وسائل الاعلام المحلية ولا سيما الحكومية منها على ظهور الشيعة من خلالها، قد جعل القنوات الاجنبية النافذة الوحيدة للتعارف بين الشيعة السعوديين وبقية المواطنين. وهذا بذاته يخلق اشكالا يتمثل في النظر الى الخارج كوسيلة وحيدة للتعبير عن الذات واصلاح الاوضاع. ولهذا فاننا ندعو الحكومة الى فتح قنوات الاعلام المحلي، ولا سيما الحكومي منه امام الشيعة كي يظهروا كما هم، أي كمواطنين يجمعهم مع بقية السعوديين ولاؤهم للبلد وقيادته، وتجمعهم نفس الامال والتطلعات والهموم الحياتية، يعبرون عن انفسهم كما هم في واقع الحياة وليس كما تصوره الكتب القديمة او دعايات المعادين للمملكة والساعين لاصطياد الاخطاء واستثمار العيوب التي لا يخلو منها أي مجتمع في العالم. ظهور المجتمع الشيعي بصورة عامة ولا سيما شخصياته البارزة على وسائل الاعلام سوف يزيل تدريجيا الشعور بان الشيعي محجور عليه او محروم، كما سيزيل الانطباع بان الشيعة السعوديين كيان غريب او مريب او مشكل . وسوف يكشف للجميع ان السعودي الشيعي هو سعودي اولا وانه مواطن طبيعي مثل كل مواطن اخر له نفس الهموم والاهتمامات والمشاعر والتطلعات وان اختلف مذهبه. ان بلادنا بحاجة الى التاكيد دائما على وحدتها واجماع شعبها. الوسيلة الاقوى لتعزيز هذه المشاعر هي ان ينظر السعوديون الى انفسهم كمجموع واحد في مركب واحد يجمعهم الوطن ولا يفرق بينهم اختلاف المذهب.

الاجراءات المقترحة :

1-      رفع التحفظ (المقصود او العفوي) على ظهور الشيعة السعوديين في وسائل الاعلام، ولا سيما الرسمية منها.
2-      تشجيع الحوارات والاعمال المشتركة التي تؤكد على التنوع المذهبي في اطار الوحدة الوطنية.
3-   اشراك الشيعة السعوديين في المجامع الدينية ، سيما تلك التي يشارك فيها شيعة من خارج المملكة مثل رابطة العالم الاسلامي وامثالها ، وكذلك النشاطات الدولية التي تقوم بها وزارة الشؤون الاسلامية لمحو الاتهامات الموجهة للمملكة بالتمييز وامثاله والتاكيد على الجامع الوطني للسعوديين.
4-   السماح للشيعة باصدار صحف او مجلات محلية في المنطقة الشرقية ، وكذلك تشجيعهم على طباعة ونشر كتبهم داخل البلاد ، من خلال تخفيف الرقابة الزائدة ، وهي خطوة ستقود بالضرورة الى ضبط الايقاع الثقافي في اطار حاجات الوطن وخصوصياته.

ثالثا : تحييد الجانب الديني في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة

يشكل الاختلاف المذهبي مصدرا للكثير من المشكلات في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة . ولحسن الحظ فقد اتخذت الدولة مبادرات جيدة مثل رفع الحظر عن بناء المساجد والتخفيف من القيود على ممارسة الشعائر الدينية اضافة الى حظر الكتابات والمواد الاعلامية التي تثير حساسيات مذهبية . وقد اثمر ذلك عن فهم جديد في اوساط الطائفة، سيما النخبة ووجوه المجتمع يدعو الى التعاضد مع الدولة وشد ازرها في مواجهة التحديات وغض الطرف عن الاساءات التي تصدر احيانا من هذا الطرف او ذاك .
وفي اعتقادنا ان البلاد بحاجة الى علاج طويل الامد لمسألة الاختلاف المذهبي، للحيلولة دون استغلاله من قبل البعض، ومنع تاثيره على العلاقة الطيبة بين المجتمع والدولة، او جعله مدخلا لتعكير امن البلاد وسلامتها. منطلق العلاج هو تفهم الطبيعة الخاصة للمؤسسة الدينية عند الشيعة ، ولا سيما كونها اهلية ومستقلة. احتفظ العمل الديني عند الشيعة بهاتين الصفتين منذ قديم الزمان وحتى اليوم . وهذا سائد حتى في ايران التي يحكمها علماء دين شيعة، فالمساجد والحسينيات والمدارس الدينية وممارسة الشعائر الفردية او الجمعية تقام وتدار كلها من جانب الاهالي وعلمائهم. وبشكل عام فان تدخل الدولة في الامور الدينية ليس من الامور المقبولة او المريحة عند الشيعة. ولذا فان تحييد الجانب الديني في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة لا يتم من خلال الامر والنهي ، بل من خلال مفهوم " الدعم والتنظيم" . نحن اذن بحاجة الى صياغة معادلة متوازنة تكفل - من جهة - تقبل الشيعة وتعاونهم، و - من جهة  اخرى - تلبية حاجة الحكومة وازالة بواعث القلق التي تراود الرسميين ازاء هذا الموضوع .
نقترح ابتداء تعريف وتحديد حاجة الدولة ، وجوهرها كما نعتقد هو : جعل العمل الديني الشيعي متسقا مع الحاجات الوطنية ، ولا سيما تعزيز الولاء للوطن ومنع استغلال الدين في امور تقود الى الاضطراب الامني او السياسي او تدخل الاجانب في شؤون البلاد.
اما حاجة المجتمع الشيعي في الجانب الديني فهي على وجه التحديد : ممارسة الشعائر الدينية والتثقيف الديني وفق الاعراف الجارية منذ قديم الزمان في امان واطمئنان ومن دون تدخل سلبي او اعاقة من جانب الاجهزة الرسمية .

الاجراءات المقترحة

1-  انشاء هيئة رسمية لرعاية وتنظيم الشؤون الدينية ، لا تقل من حيث الترتيب الاداري عن وكالة وزارة ، تقوم بالاشراف على التنظيم المقترح وما يتعلق به مستقبلا ، ويمكن ان تكون هذه الهيئة مستقلة او تابعة لوزارة الشؤون الاسلامية ، على ان يرأسها موظف من الطائفة الشيعية.
2-  العمل على تشجيع قيام مرجعية دينية محلية ، من خلال الاعتراف الرسمي بالمدارس الدينية الشيعية ومعادلة الشهادات التي تمنحها بنظيرتها في المدارس الدينية الاخرى.
3-  الاعتراف الرسمي بالاوقاف الشيعية والجهات الموقوفة عليها من جانب المحاكم الشرعية وكتابات العدل ، بما يسهل استثمارها للاغراض الخيرية والتدقيق في حسن ادارتها من جانب الهيئة المشار اليها سابقا او محكمة الاوقاف والمواريث الجعفرية او بالتعاون بين الجهتين .
4-  الفصل بين الجانبين السياسي والديني في علاقة الشيعة السعوديين مع المرجعيات الدينية في الخارج من خلال ارساء علاقات حسنة بين الدولة وتلك المرجعيات من اجل تسويد التفاهم والتقدير المتبادل للهموم والحاجات والتعاون في حل المشكلات.

خلاصة  

ينطلق مشروع "الاندماج" من تحليل للظروف السياسية القائمة في المملكة والاقليم ، ويبني على ما تم انجازه من خلال الحوار بين المجتمع الشيعي والدولة خلال السنين الماضية. يستهدف هذا المشروع تصفية نهائية للمشكلة المزمنة في العلاقة بين الشيعة السعوديين وحكومتهم ، من خلال اندماجهم في النظام السياسي الوطني كمواطنين طبيعيين تحت سقف النظام الاساسي للحكم في المملكة وما قرره من مساواة كاملة بين المواطنين . يحقق المشروع غرضا مزدوجا فهو ينهي حالة التمييز التي يعانيها الشيعة ، كما يقضي على حالة الارتياب التي تساور الدولة تجاههم . ويعزز فوق ذلك سلامة الوطن ويعزز مناعته في مقابل التحديات الناتجة عما يجري في المحيط الاقليمي من تقلبات وتغيرات .  يقترح المشروع ثلاثة مسارات لتحقيق الاندماج هي : رفع العوائق امام مشاركة الشيعة في الوظائف العامة ولا سيما في المراتب العليا ، تطبيع الوجود الشيعي في المملكة ، وتحييد الجانب الديني والمذهبي في العلاقة بين الطرفين من خلال تبني مفهوم "الدعم والتنظيم" .
 ونتطلع الى عرض هذا المشروع للمناقشة بين نخبة الشيعة وقادة البلاد لاستكشاف امكانية تطبيقه او صياغة بدائل افضل ، ومدى ما يمكن لهذه النخبة ان تقدمه في دعم توجهات الحكومة الاصلاحية.
حفظ الله بلادنا وصانها ووفق ولاة امرنا وزادهم رفعة وعزا

والله ولي التوفيق.
الشيخ حسن موسى الصفار      د. توفيق السيف           جعفر الشايب              د. صادق الجبران