السبت، 8 أكتوبر، 2011

التحولات الكبرى للشباب السعودي في المجال السياسي


تقرير مركز بيرك مان «Berkman Center» التابع لجامعة هارفارد لعام 2009 وجد أن المدونين السعوديين قليلو الكتابة في الشأن السياسي وفي العام 2010 وجد أن تركيزهم كان منصبا على الجانب التقني مع اهتمام أكبر بالسياسة وهذا يعكس التقدم في التعاطي مع الشأن السياسي، في المقابل أشار التقرير أن المدونين المصريين يتعاطون السياسة بكل جرأة. عندما يقرأ المرء هذه النتائج التي كانت قبل ربيع الثورات العربية ويقارنها بما يقوم به الشباب السعودي في الوقت الحاضر من مساهمة فعالة في دعم ومساندة الثورات العربية حيث أصبحت المدونات والشبكات الاجتماعية منذ ثورة تونس وإلى الآن مليئة بالنقاشات السياسية الجادة وأصبحت مفاهيم مثل الحرية والعدالة حاضرة بقوة في المشهد السعودي الشبابي، المتابع سيكتشف أن هناك نقطة تحول كبرى تحتاج في المقابل لتحولات كبرى في التعاطي مع هذا الجيل.

الحراك السياسي الشبابي يظهر لأول مرة بهذا النضج والوضوح في المشهد السعودي عندما قامت فئات شبابية بإصدار بيانات جريئة تدعو العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز لعمل إصلاحات سياسية فصدر بيانان: الأول صدر في 23 فبراير 2011 بمسمى “رسالة الشباب السعودي إلى الملك عبد الله” وكان أحد المطالب هو إعادة ”تشكيل الحكومة بالمعايير الدقيقة والصارمة والشاملة للجدارة، بهدف خفض متوسط أعمار الوزراء إلى 40 سنة، وإتاحة الفرصة للمرأة كي تمارس دورها داخل مجلس الوزراء” والبيان الثاني صدر في 7 مارس 2011 بعنوان “مطالب الشباب من أجل مستقبل الوطن” وكان سقف هذه العريضة أعلى فقد شددت أن الإصلاح يتطلب “تطوير نظام الحكم ليصبح ملكياً دستورياً، يعزز قيام دولة القانون والمؤسسات، ويضمن الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإطلاق حرية التعبير والتفكير والاعتصام والتظاهر، وحرية تكوين جمعيات المجتمع المدني ومنها حرية تكوين الأحزاب، وحق الشعب في المشاركة في صناعة القرار السياسي من خلال انتخاب ممثليه - رجالاً ونساءً - في مجلس الشورى، وضمانة الالتزام بتطبيق كافة العهود والمواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان. ” وبسبب شعور الشباب بالتهميش في مختلف المجالات فقد طالبوا بـ “إفساح المجال للشباب والشابات في كل المؤسسات التي ترسم خطط التنمية الإقتصادية والثقافية للحوار وتبادل الآراء ورسم المستقبل، والاستماع إليهم وإلى تطلعاتهم والسعي الحثيث لإشراكهم في التفكير والتخطيط والعمل. ” بالاضافة إلى ذلك كان للشباب مشاركة فعالة في التوقيع على بياني “دولة الحقوق والمؤسسات” وَ “إعلان وطني للإصلاح” فمن مجموع أكثر من 11 ألف شخص وقع، كان غالبية الموقعين من الشباب وهذا الشيء لم يسبق له مثيل في تاريخ الحراك الشبابي السعودي في المجال السياسي بعد أن كانت البيانات والمقالات والحضور الإعلامي مقتصرا على النخب السعودية، بل وجدنا أنه حتى في الانتخابات البلدية كان للشباب موقف واضح وجلي وذلك باستخدام أساليب مدنية بتحريض الناس على المقاطعة وهذا تجلى بإصدار “إعلان مقاطعة الانتخابات البلدية” في 1 مايو 2011 وكان أحد المبررات للمقاطعة سياسي كون الانتخابات لا تلبي “بصيغتها الحالية لطموحات التوسع في المشاركة الشعبية في صناعة القرار، المعبّر عنه في البيانات الإصلاحية المتعددة والذي يشمل انتخاب برلمان بكامل أعضائه، له صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، ويلبّي التعطش الشعبي لممارسة ديمقراطية كاملة ومؤثرة”.

في الجانب النسائي الشبابي ظهرت مبادرة حقي كرامتي والتي كانت انعكاساً لمبادرة “من حقي أن أقود” التي انطلقت بدعوة النساء ممن يحملن رخص قيادة دولية بقيادة سياراتهن في يوم 17/6/2011، وفي إطار الممارسة على أرض الواقع كان للأقلية الشيعية في السعودية تحركاً استمر لأشهر في شكل مظاهرات سلمية، فخرجت أكثر من 50 مسيرة سلمية ما بين شهري فبراير وأغسطس وقد وصلت في بعض الليالي إلى خروج أكثر من 10 الالاف شخص نادت بشعارات مثل “الشعب يريد حقوق الإنسان” وطالبوا برفع التمييز وإطلاق السجناء المنسيين التسعة الذين اعتقلوا على خلفية تفجيرات الخبر منذ 16 سنة ولم يحاكموا حتى الآن، ونتج عن هذا الحراك الشبابي اعتقال ما يربو على 300 شخص قضى أكثرهم في السجن أكثر من 3 أشهر بقي منهم حوالي 40 سجيناً لا يزالون رهن الاعتقال، وكان من أبرز المعتقلين حسين اليوسف وفاضل المناسف ونذير الماجد والأخير لا زال سجيناً إلى الآن، وهذا الحراك أدى إلى فتح المسألة الشيعية ونتج عنه عدة لقاءات مع المسؤولين ومن هذه الاجتماعات كان لقاء بين أمير المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز وعشرة من الشباب بتاريخ 8/3/2011، وعلى أثر هذا اللقاء قام هؤلاء الشباب بكتابة مجموعة من القضايا الرئيسية التي تحقق للشيعة المواطنة في وطنهم وكان العنوان الأبرز القضاء على سياسة التمييز والسماح بحرية الرأي والافراج عن السجناء المنسيين وتم تسليمها إلى نائب أمير المنطقة الشرقية الأمير جلوي بن عبد العزيز بتاريخ 30/3/2011، وكان هناك مقترح من الأمير جلوي بتاريخ 25/5/2011 بأن يتم تكوين لجنة من الشيعة ومسؤولين في إمارة الشرقية لمناقشة وضع الشيعة في السعودية، وإلى الآن لا توجد مؤشرات إيجابية في تغيير موقف الحكومة مع الشيعة باستثناء الإفراج عن المعتقلين وتأكيد الملك في كلمته بمجلس الشورى بتاريخ 25/9/2011 أن “التمسك بالوحدة الوطنية وتعزيز مضامينها أمر له ضرورة وأولوية” بعد أن شدد على أن “اللعب على أوتار الصراع المذهبي … كلها أمور تناقض سماحة الإسلام وروحه ومضامينه” وهذا الخطاب لا زال في المرحلة النظرية وما يجري في الواقع السعودي هو خلاف ذلك وننتظر اليوم الذي تزال فيها جميع أشكال التمييز ضد المواطنين ليعيش الوطن أجمل أيامه ولياليه. في الجانب الأخر كان هناك اعتصامان مقابل وزارة الداخلية في الرياض للمطالبة بالإفراج عن السجناء وتخلل أحد الاعتصامين لقاء بين مساعد وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف والدكتور مبارك بن زعير، وأدى هذا الحراك إلى اعتقال مجموعة من المعتصمين واطلاقهم بعد فترة باستثناء الدكتور مبارك بن زعير والأستاذ محمد البجادي. أما الحركة النسوية لإيمانها التام بحقها في قيادة السيارة فقد أدى إلى اعتقال منال الشريف لمدة 10 أيام في سجن الدمام والتحقيق لا زال مع نجلاء حريري في هيئة التحقيق والإدعاء العام بجدة، بالإضافة إلى صدور حكم قضائي يوم الاثنين 26/9/2011 ضد شيماء جستنيه بعشرة جلدات. هذه الحوادث تعكس أن صبر الناس بدأ ينفذ، وأن هناك تغير في أنماط التعبير عند الشباب بالمطالبة بالحقوق السياسية والمدنية بعد أن تركزت لسنوات على البيانات وسياسة الباب المفتوح.

هذا التحول السريع لدى الشباب من حالة اللاوعي السياسي أو لنقل عدم الاكتراث بالشأن السياسي إلى الممارسة السياسية هو كسر لعقود من حاجز الخوف من الحديث في السياسة، كونها مدعاة أن يدخل الشخص لسنوات في السجن بسبب رأيه السياسي. الثورات العربية أعطت زخما معرفيا إذ أيقظت الحاجة إلى السياسة وأهميتها في عقول الشباب السعودي ولذا نحن في طور الانتقال لمرحلة جديدة للمجتمع السعودي في تعاطيه مع مسألة الإصلاح، بحيث لن تقتصر على النخب السعودية بل سيكون الشباب شركاء فعليين في عملية الإصلاح قولاً وعملاً، وهذا يدعو للتأمل مجدداً في دعم أدوار الشباب السياسية في المجتمع السعودي، لأن إغفال ذلك سيؤدي إلى زيادة الفجوة بين النظام الحاكم والمجتمع السعودي الذي غالبيته من الشباب، مما يوجب إعادة النظر في خطة التنمية التاسعة ««2010 - 2014التي أقرتها الحكومة السعودية، ففي الفصل الثامن عشر المختص بالشباب والتنمية هناك غياب واضح لأي سياسات من شأنها تمكين الشباب السعودي من العمل السياسي، وكذلك في الفصل التاسع عشر المتعلق بالمرأة والأسرة هناك تهميش لذكر المشاركة السياسية والمدنية للمرأة، وما أشار إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله في خطابه لمجلس الشورى بالقول أن “الخطة الخمسية التاسعة والتي صادق عليها مجلسكم الموقر فإنـها ستكون - بمشيئة الله وتوفيقه - عوناً لنا جميعاً على تحقيق ما نصبوا إليه نحو تكريس الرخاء والنمو والازدهار، لاسيما وأنـها قد نصّت على تحقيق الاستقرار الاجتماعي وضمان حماية حقوق الإنسان” فمن باب الصدق مع الحاكم وهو الذي أوصى المواطنين في الذكرى السادسة للبيعة بالقول ” أوصيكم بكلمة هي بسيطة، ولكني أوصيكم بها لأن الإنسان بدونها لا إنسان وهي الصدق.. الصدق.. الصدق.. عليكم بالصدق في معاملاتكم وفي بيوتكم وفي أولادكم وفي أقاربكم وفي من يسمع منكم” أجد أن الخطة التاسعة لا تضمن مشاركة أبناء المجتمع في صنع القرار ولا توجد بها استراتيجيات واضحة لتحقيق المساواة وبالتالي أؤكد أن خطة التنمية لن تحمي حقوق الإنسان ولن تؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي، ففي الشأن الحقوقي لا يمكن للدولة أن تحمي حقوق الإنسان من دون وجود مؤسسات حقوقية مستقلة وغياب جلي لسيادة القانون وعدم محاسبة المفسدين والمنتهكين. الوضع الحالي يؤدي بنا إلى مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان وهذا ما يمكن استقراؤه من سجل حقوق الإنسان الخاص بالمملكة في التقارير الدولية الذي يتحول من سيء إلى أسوء.

الحكومة السعودية بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة بإقرار خطة إصلاحية لتمكين الشباب سياسياً وإقرار حق المشاركة الفعالة لتشمل معظم مناطق المملكة والقضاء على التمييز ضد المرأة والأقليات وذلك لبناء جيل سياسي يجعل الوطن صامداً وقوياً ويدفعه إلى مزيد من العدالة والحرية والمشاركة السياسية والمدنية، فالشباب في الوقت الراهن غير ممثل في جميع المناصب العليا أو المهمة في الدولة والتي جميعها تأتي بالتعيين، فلا وزراء ولا سفراء ولا مستشارين ولا نائب وزير ولا وكيل وزارة ولا أعضاء في مجلس الشورى ولا في المجلس الاقتصادي، بل يمكن القول أن في الحكومة السعودية أكثر من 2000 منصب رفيع المستوى تفتقد إلى عطاء الشباب. هذا التهميش سيزيد الاحتقان المتراكم في نفوس الشباب وسيشعر الشباب أن الحكومة غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من مطالبهم وهذا يؤثر سلباً على الاستقرار في الوطن.

المؤسسات الحكومية لا سيما المرتبطة بالشأن السياسي تحتاج أن تضع برامجا فاعلة لتأهيل الشباب ليتمكنوا من العمل في المناصب السياسية القيادية، فلا فائدة من فتح أقسام في الجامعات السعودية تخرج طلبة العلوم السياسية ومن ثم يعملون في تخصصات أخرى، وهنا يمكن ملاحظة أن الموقع السياسي للسعودية ضمن دول العالم الـ 193 وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط المليئة بالصراعات، لم يلفت نظر وزارة التعليم العالي لتقرأ من خلاله الحاجة إلى كفاءات عالية في السياسة بحيث يكون تخصص السياسة ضمن التخصصات المتاحة لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي.

الدعوة لإشراك الشباب نساء ورجالاً في الحيز السياسي هو لاستثمار هذه الطاقات في تنمية الوطن ولكي يشعر بقية الشباب بالأمل لخدمة وطنهم في مختلف المستويات السياسية لنتخلص من فجوة الأجيال التي تراكمت لعقود كي نصنع وطناً أجمل عندما نرى شبابنا في مختلف المناصب لنكون مثل بقية المجتمعات التي شبابها اليوم يمارس أعقد المناصب السياسية وأصعبها بكفاءة ونجاح.

وختاماً أشيد بالخطوة التي أعلنها العاهل السعودي باقرار حق المرأة في الترشح والانتخاب في المجالس البلدية وأن تكون عضوا في مجلس الشورى وهذا أمر ايجابي ومحفز لمزيد من الاصلاحات وفي نفس الوقت ينبغي أن لا يكون القرار مخدراً للنساء بالتوقف عن المطالبة بإصلاحات أوسع، فلا زال الطريق طويلاً من دفع الحكومة لتحقيق المساواة والمشاركة السياسية الفعالة للمرأة والرجل، فمجلس الشورى لا يمكن أن يكون قويا من دون أعضاء منتخبين بصلاحيات واسعة، وعندما يغيب هذا العامل الرئيس فنحن أمام مجلس شورى لا يملك الإرادة القادرة على التغيير خصوصاً مع البيروقراطية الموجودة وغياب هامش الحريات ووجود القوى المعارضة، فمعظم ما يجري في المجلس من مناقشات هو محاط بالسرية وكأنه مجلس يناقش سياسة الأمن في البلاد ونسي أن للشعب حق أساس وهو الحق في الوصول إلى المعلومة والمشاركة في بناء أوطانهم.

نشر المقال في موقع المقال


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق