الثلاثاء، 12 يوليو، 2011

اختلال في ميزان العدالة




 العدالة في شقها الجنائي من الأمور الضرورية التي يجب على الدول أن تجتهد لتحقيقها لارتباطها الوثيق بجميع القاطنين في حدود الدولة ، و بالتالي غياب أو تعثر أحد أعمدة العدالة الجنائية له تأثير سلبي على مختلف جوانب الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية ، و هنا سنتطرق إلى موضوع المحاماة في السعودية لأنها عنصر أساس لتحقيق العدل و الإنصاف للمتهمين و الضحايا . فالبرغم من اصدار نظام المحاماة و اللائحة التنفيذية إلا أن هناك عجز في أعداد المحاميين المرخص لهم من قبل وزارة العدل ، و هذا يمثل مؤشرا خطيرا في سير العدالة لكثير من القضايا الجنائية إذ نفتقد ركن مهم و ضروري عندما يغيب المحامي في مرحلتي التحقيق و المحاكمة ، فيصبح المتهم عاجزاً عن الدفاع عن نفسه لعدم إلمامه القانوني و الشرعي فضلاً عن الظروف النفسية التي لا تمكن المتهم من التحضير جيدا لعمل الدفوع اللازمة ، و هذا يؤدي إلى غياب أحد الضمانات المهمة للمتهم و الذي حرص عليها المشرع في نظام الاجراءات الجزائية بأنه يحق للمتهم توكيل محامي له ، بل شدد على هذه الضمانة في المادة 119 بأنه يحق للمحقق " أن يأمر بعدم اتصال المتهم بغيره من المسجونين ، أو الموقوفين ، وألا يزوره أحد لمدة لا تزيد على ستين يوماً إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك ، دون الإخلال بحق المتهم في الاتصال بوكيله أو محاميه. " .

هذه الضمانات القانونية تصطدم مع الواقع العملي و الذي يشير إلى أن عدد المحامين المرخص لهم – حسب ما أحصيتهم من موقع وزارة العدل – فقط 1481 محامي ، و هذا العدد لا يتناسب مع عدد السكان في السعودية الذي يصل إلى (27136977 ) و باستخدام لغة الارقام نكتشف أرقام مخيفة بأن لكل 18323 شخص محامي ، أما إذا قمنا بتحليل بناء على المدن سنكتشف أن حوالي 81% من المحاميين هم في ثلاثة مدن كالتالي : الرياض (720 محامي) ، جدة (420 محامي) ، مكة (60 محامي) و إذا عكسنا المشهد سنكون أمام واقع مؤلم إذا استثنينا المدن السابقة لنكتشف أن 221 محامي يتواجدون في بقية مدن المملكة التي يصل تعدادهم أكثر من 50% من السكان، أي نصل إلى نتيجة فرعية تقريبية أن هناك  لكل 50 ألف شخص محامي واحد و هذا يثبت النقص الحاد في عدد المحاميين إذ لا توجد عدالة في توزيع المحاميين في مدن المملكة ، فهناك مدن لا يوجد فيها محاميين و هناك مدن عدد سكانها أكثر من نصف مليون يوجد فيها محاميين !! ، و هنا نقع في معضلة حقيقية و هي قلة المعروض و زيادة الطلب و هذا أدى إلى نمو حالة من الغلاء الفاحش من قبل المحاميين بأخذ مبالغ خيالية مستثمرين حاجة الناس لهم و هذا ما يجعل كثير من القضايا في مرحلتي التحقيق و المحاكمة تفتقد إلى وجود المحامي و يسبب ذلك شرخاً في مبدأ المحاكمة العادلة ، و على هذا وجدنا الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي انضمت إليه السعودية في 15/4/2009 نص في المادة (13/1) " لكل شخص الحق في محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات كافية وتجريها محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة ومنشأة سابقا بحكم القانون. وذلك في مواجهة أية تهمة جزائية توجه إليه أو للبت في حقوقه أو التزاماته، وتكفل كل دولة طرف لغير القادرين مالياً الإعانة العدلية للدفاع عن حقوقهم." . 

المادة السابقة لم تكتفي فقط يايراد الضمانات بل ألزمت الدول أن تتكفل بتوفير محامي للشخص الغير مقتدر و هذه النقطة يجب أن تكون محل التنفيذ في السعودية و تسرع وزارة العدل لتطبيق هذه المادة كجزء من اصلاح نظام القضاء لتحقيق العدالة و دراسة العجز الذي تعاني منه السعودية في أعداد المحاميين و وضع الخطط الكفيلة لدفع الشباب نحو العمل في مهنة المحاماة و مراجعة نظام المحاماة و أيضا تحقيق توزيع عادل للمحاميين في مختلف مدن المملكة لكي تتحق العدالة في أجلى صورها في مرحلتي التحقيق و المحاكمة بما ينعكس ايجاباً على حياة الناس .

جريدة البلاد - 12 /7 / 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق