الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

لا لا للتمييز في السعودية، نعم للمساواة وسيادة القانون

يحتفل العالم بالذكرى الواحدة والستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر، وتطلق الأمم المتحدة في كل عام شعاراً في هذه الذكرى لجذب أنظار العالم إلى أهمية الحقوق، فتقيم بهذه المناسبة عدداً من الفعاليات العامة والخاصة. في عام 2004 تم تبني شعار " تعليم حقوق الانسان " وفي عام 2005 تم رفع شعار " الجهود العالمية لمحاربة التعذيب " وفي عام 2006 كان موضوع " مواجهة الفقر: عمل ملزم وليس طوعي "، وفي عام 2008 كان عنوان " العدالة والكرامة للجميع "، أما في عام 2009 فتم اختيار " لا للتمييز " كعنوان يحتفل به جميع العالم.

الحديث عن أهمية الإحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الانسان للدول والشعوب رغم مضي واحد وستين عاماً على إقراره يظهر في كلام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي قال " ولا يزال للإعلان أهميته اليوم مثلما كان يوم اعتماده. الحريات الاساسية المجسدة فيه لم تصبح بعد حقيقة واقعية بالنسبة لكل فرد. وفي أحيان كثيرة تفتقر الحكومات إلى الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ المعاير الدولية التي وافقت عليها بإرادتها." وهذا يظهر لنا مدى الحاجة إلى إعادة النظر مجددا في البنود الثلاثين من الإعلان والمطالبة بتطبيقها، وتشجيع الحكومات على تعزيز مفاهيم حقوق الانسان فعلاً لا قولاً.

إحياء الاعلان العالمي لحقوق الانسان والتركيز على نقطة جوهرية فيه لمدة عام يساعد الشعوب على معرفة حقوقها وفهمها والمطالبة بها، والذي سينتج عنه حث الحكومات على تفعيل سلطاتها والقيام بواجباتها وتقوية إرادتها السياسية نحوالتغيير.

لا لا للتمييز:

الحديث عن التمييز يمكن أن يأخذ أشكالاً ووجوهاً متعددة إلا أنه سيتم التركيز على ممارسة التمييز ضد المرأة والشيعة في السعودية. ولمعالجة ذلك لا بد من توضيح بعض المفاهيم المترابطة والمكملة لبعضها البعض مثل التمييز العنصري، التمييز ضد المرأة، الأقلية قبل الحكم هل هناك بالفعل تمييز أم لا:

فالتمييز العنصري كما ورد في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري هو" أي تمييز أواستثناء أوتقييد أوتفضيل يقوم علي أساس العرق أواللون أوالنسب أوالأصل القومي أوالاثني ويستهدف أويستتبع تعطيل أوعرقلة الإعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أوالتمتع بها أوممارستها، علي قدم المساواة في الميدان السياسي أوالاقتصادي أوالاجتماعي أوالثقافي أوفي أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة."

والتمييز ضد المرأة كما ورد في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة يعني " أي تفرقة أواستبعاد أوتقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أوأغراضه، توهين أوإحباط الإعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أوفي أي ميدان آخر، أوتوهين أوإحباط تمتعها بهذه الحقوق أوممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل."

أما مفهوم الأقليات فهويركز على الأشخاص المختلفين عن المجتمعات الأوسع التي يعيشون فيها، على أساس عرقهم أوأصلهم الإثني، أودينهم، أولغاتهم الأم، أوممارساتهم الثقافية. والذين يعتبرون فئة غير مهيمنة أوفي وضع مجحف من حيث علاقات السلطة بينها وبين السكان الذين يشكلون الأغلبية. ولا يتطلب مصطلح "الأقلية" تقديرًا شديد الدقة لأعداد السكان النسبية.

من المفاهيم السابقة يتضح أهمية فتح ملف الأقليات لكونها متواجدة في جميع بلداننا العربية بنسب مختلفة، بالاضافة إلى موضوع المرأة بما تمثل من وجود تم تهميشه من قبل السلطات الحاكمة. سيتم تناول شريحتين من الشرائح في المجتمع السعودي وهم النساء والشيعة، فالنساء حسب آخر آحصائيات مصلحة الاحصاءات العامة والمعلومات في السعودية:


عدد المواطنين السعوديين
عدد النساء السعوديات
النسبة المئوية
التعداد السكاني لعام 1425 هـ
16527340
8239970
49,9 %
المسح الديموجرافي لعام 1428
17493364
8672083
49,6%

أما عدد الشيعة فليس هناك إحصائيات رسمية في هذا الإتجاه ولكن يمكن تقديرها بين 10% إلى 15% من عدد السكان السعوديين، وهذه النسبة عادة يتم تقديرها من قبل الباحثين عند تناول موضوع الشيعة في السعودية، ويمكن تقريب الصورة بناء على الافتراضات التالية:
- تم اختيار أربع محافظات إدارية من مجمل المحافظات 13، وذلك لوجود الشيعة في هذه المناطق بشكل رئيس وجلي.
- تم الاعتماد على التعداد السكاني لعام 1425هـ
المناطق
عدد الرجال
عدد النساء
مجموع المواطنين السعوديين
نسبة الشيعة المحتملة
عدد الشيعة المتوقع
الشرقية
1308866
1246636
2555502
55%
1405526
الرياض
1901540
1824017
3725557
2%
74511
المدينة المنورة
565796
578475
1144271
30%
343281
نجران
173427
175614
349041
75%
261780
المجموع
3949629
3824742
7774371

2085098

نسبة الشيعة إلى عدد المواطنين السعوديين:

عدد المواطنين السعوديين
عدد الشيعة المحتمل
النسبة المئوية المتوقعة
16527340
2085098
12.6%

وإذا أردنا أن نجمع فئة النساء وعدد الشيعة لنعرف نسبة الفئتين المهمشتين نخرج بالتالي:

عدد النساء السعوديات
عدد الشيعة الرجال
المجموع
النسبة من عدد السكان
8239970
1431724
9671694
58,5%

وعلى هذا يمككنا أن نخرج برقم مفاده أن 58 % من المجتمع السعودي يمارس ضده التمييز، بالرغم أن هناك فئات أخرى لم يتم الاشارة إليها.

ممارسة التمييز ضد المرأة والشيعة في السعودية:

بالرغم أن السعودية عضوفي الأمم المتحدة وبذلك هي ملزمة بتطبيق ميثاق الأمم المتحدة والذي ينص في المادة 1«3» على " تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أواللغة أوالدين ولا تفريق بين الرجال والنساء." وأيضا السعودية صادقت على عدد من الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان، وأصبحت نافذة ويمكن الإحتجاج بها في المحاكم الوطنية، بل لها منزلة أعلى من الأنظمة الأخرى كما ورد في المادة «27» من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات" مع عدم الاخلال بنص المادة «46» لا يجوز لطرف فى معاهدة ان يتمسك بقانونه الداخلى كسبب لعدم تنفيذ هذه المعاهدة.[1]  "

إلا أن مجرد وجود القانون لا يعني أن الدولة ملتزمة بتطبيقه، وهذا العنصر الذي طالما حاولت السعودية أن تلتف عليه في المحافل الدولية بالإحتجاج أن النظام الأساسي للحكم ونظام القضاء والإجراءات الجزائية والمرافعات الشرعية وغيرهم تحتوي على الكثير من النصوص التي تحقق أهداف الاتفاقيات الدولية، وهذا ما يمكن ملاحظته في التقارير الدورية التي تقوم المملكة بإعدادها.

فنقرأ في التقرير المقدم من السعودية بموجب المادة 9 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في 12/12/2001 تحت رقم «CERD/C/370/Add.1» في ص 8-9 " المملكة تشجب العزل العنصري والفصل العنصري أيا كان " وَ " لا تجيز أنظمة المملكة قيام التنظيمات العنصرية أوالنظريات القائلة بتفوق أي عرق أوأية جماعة على ما سواها، ولا تسمح بالترويج للتميز العنصري أوبالتحريض عليه. ويعد نشر الأفكار القائمة على التميز العنصري أوتمويلها جريمة يعاقب فاعلها بحسب أنظمة المملكة ".

الكلام السابق لم يعد مقنعاً للمجتمع الدولي وهذا ما أشارت له لجنة القضاء على التمييز العنصري في التقرير الذي صدر عام 2003 تحت رقم «A/58/18» بالتركيز على أن العنصر القانوني وجوده لا يكفي، وعلى هذا أصدرت توصيات موجهة إلى الحكومة السعودية لسد هذا الخلل البنيوي والقانوني عند الحكومة بـالتأكيد على " أن مجرد النص في هذه القوانين على المبدأ العامل لعدم التمييز ليس استجابة كافية لمتطلبات الاتفاقية " وَ " تؤكد اللجنة على أن ضمانات عدم التمييز الموضوعة بموجب القانون، من دون آليات لرصد تطبيقها، لا تضمن وحدها التمتع بعدم التمييز " وفيما يخص جانب ممارسة التمييز الديني ذكرت " اللجنة قلقة إزاء التقارير التي تفيد بأن الأشخاص المنحدرين من بعض الأصول العرقية أوالإثنية غير قادرين على المجاهرة بمعتقداتهم الدينية "

ولأن التمييز يمثل قلقاً عالمياً، فقد بادرت الأمم المتحدة والكثير من المنظمات المدنية في العالم لتشجيع الدول على التخلص من هذا الداء السرطاني، فقد أشارت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان السيدة نافي بيلاي إلى أن " التمييز هوالسبب الأساس لحقوق الانسان في العالم، ولا تخلوأي دولة من معاناة هذا الوباء، ويجب علينا أن نجعل محاربة هذه المشكلة من أولوياتنا ". وفي سبيل محاربة هذا الوباء، كان موضوع عدم التمييز والمساواة من النقاط التي أشارت إليها الاتفاقيات الثمانية التي تمثل صلب القانون الدولي لحقوق الانسان، فقد ورد في المادة 2 «1» والمادة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 2«2» والمادة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمواد 2-7 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والمواد 2 و9-16 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والمادة 2 من اتفاقية حقوق الطفل، والمواد 7،18،25 و27 من الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، وأشارت اتفاقية مناهضة التعذيب إلى مبدأ المساواة في ديباجتها، ومعظم المواد من اتفاقية حقوق الاشخاص ذوي الإعاقة أشارت إلى المساواة بل أكدت عليها.

والسعودية بإعتبارها إحدى الدول التي صادقت على بعض الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الانسان فهي ملزمة بتطبيقها ويمكن مراجعة بنود أهم الاتفاقيات التي صادقت عليها السعودية في مجال حقوق الانسان لنرى الفارق بين ما هوموجود وبين ما هو مطبق في السعودية:

#
الاتفاقية
تاريخ الانضمام
التحفظات [2] 
1
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
7/8/2000
-    تحفظ عام على كل بند يخالف أحكام الشريعة الإسلامية .
-    تحفظ على المقطع (2) من المادة (9)
-    تحفظ على المقطع (1) من المادة (29)

2
اتفاقية حقوق الطفل
26/1/1996
-    تحفظ عام على كل بند يخالف أحكام الشريعة الإسلامية
تعديل المادة 43 من اتفاقية حقوق الطفل
30/6/1997

4
اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
23/9/2003
-    تحفظ على المادة 22 .
-    تحفظ على المقطع (1) من المادة (30)
5
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري
23/9/1997
-    تحفظ عام على كل بند يخالف أحكام الشريعة الإسلامية .
-    تحفظ على المادة 22 .
تعديل البند الثامن من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري
23/2/2003

6
اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري
24/6/2008

7
اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها
13/7/1950

8
الميثاق العربي لحقوق الانسان
ابريل 2009


 
مظاهر التمييز:
في جانب المرأة، يكفي أن نقول أنه خلال مسيرة المرأة السعودية لم تقم السعودية بجهد حقيقي وفعال في إدماج النساء، فبقيت النساء معزولات عن معظم المجالات الحيوية والهامة، لجهة أن الحكومة لم تقم بدور ملومس لتطبيق تدابير فعالة تضمن المساواة بين المرأة والرجل. فالمرأة السعودية لم تنل حظها من الإهتمام والتمكين، فقد أشار تقرير التنمية البشرية لعام 2004 أن السعودية تحتل المرتبة 77 من ضمن 78 دولة ضمن مقياس تمكين الجنوسة، ولا يظهر أن هناك تغيراً يمكن ملامسته منذ عام 2004 وإلى الآن باستثناء كون أمراة واحدة نائبة لوزير التربية والتعليم وهي الأستاذة نورة الفايز، بالإضافة إلى الدكتورة الجوهرة بنت فهد بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود، مديرة لجامعة الرياض للبنات.

أما فيما يخص التمييز الذي يمارس ضد الشيعة، فهناك تمييز يمارس ضد النساء كنساء، وتمييز مضاف يمارس عليهن إذا كن من ضمن المذهب الشيعي، أما في جانب الرجال فالشيعة قد تم عزلهم عن جميع مصادر القوى فأصبحوا مستبعدين عن المشاركة في صنع أوطانهم خصوصا فيما يتصل بالسياسات، فالشيعة لديهم فقط خمسة أعضاء في مجلس الشورى من أصل 150 عضواً، أما بقية المناصب والتي يتم التعيين فيها بناء على أمر ملكي، فالشيعة لا وجود لهم – مثلاً - في: مجلس الوزراء، السفراء، مدراء أووكلاء الجامعات، هيئة سوق المال السعودية، الهيئة الاستشارية للشؤون الاقتصادية، المحكمة العليا، هيئة كبار العلماء بالسعودية، هيئة حقوق الإنسان.

وغياب النساء والشيعة عن المشاركة في وضع الخطط التنموية والسياسية للبلد يمثل عائقا أساسيا في تطور ونماء الوطن، خصوصا عندما تشعر النساء والطائفة الشيعية أن هذا الإلغاء هومقدمة من مقدمات إلغاء هويتهم وإعدام كرامتهم.

التحديات[3] :
1- تنفيذ أحكام النظام الأساسي للحكم، والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري يواجهه العديد من المصاعب، وضعف الاستثمار في هذا المجال سبب رئيس بالإضافة إلى عامل مهم واستراتيجي هوضعف الإرادة السياسية.
2- الإصلاحات التي تجرى على القوانين لم يصاحبها وضع آليات للتنفيذ الفعال.
3- مستويات المشاركة السياسية للأقليات والنساء لا زالت معدومة.
4- ما زالت النساء معرضات للعنف والتمييز والفقر والشيعة يمارس ضدهم التمييز الممنهج.
5- ما زال التمييز المستند إلى النوع الاجتماعي يعاد إنتاجه ويستدام من خلال المؤسسات الاجتماعية التي تتسم بالطائفية فيما يخص الشيعة، والذكورية في إتجاه القضايا التي تخص المرأة.
المعالجة: 

لا بد من الإشارة إلى جملة واحدة وهوأن طلب المشاركة الفعالة للنساء والشيعة هوحق من حقوقهم الأصيلة. من هنا تنبع أهمية معالجة ملف التمييز بشكل سريع وعاجل لأن " الإقرار بالحق في المشاركة الفعالة هوإقرار بأن مشاركة الأقليات في شتى مجالات الحياة أمر ضروري لإرساء مجتمع يسوده العدل ولا يقصي أحدًا من أفراده.وأيضا يساعد على تخفيف التوترات ومن ثم خدمة الهدف المتمثل في الوقاية من التراعات. وبالتالي، فإن ﺗﻬيئة الظروف لمشاركة الأقليات مشاركة فعالة ينبغي أن تنظر إليه الدول ليس بمثابة شرط قانوني فحسب بل جانب أساسي من جوانب الحكم الرشيد." حسب وجهة نظر الخبيرة المستقلة المعنية بقضايا الأقليات،غاي ماكدوغال.
في إطار وضع حلول ومقترحات للتخلص من أكثر من قرن من إنعدام المساواة في معظم صورها بين أطياف المجتمع السعودي لا سيما النساء والشيعة يمكن للحكومة السعودية العمل على علاج ذلك الخلل البنيوي والوظيفي في السلطة عن طريق ممارسة المساواة على ثلاثة مستويات:

المستوى المعياري: والذي يضع المعايير للحقوق ويضفي الشرعية على المطالبات بالحقوق في مختلف السياقات الاجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية كما هومنصوص في صكوك حقوق الإنسان الدولية ومصادق عليه في الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية.

المستوى التحليلي: والذي يحلل عمل الأنظمة الحقوقية لتعزيز فهم الظروف التي يتسنى بموجبها للمرأة والرجل المطالبة بحقوقهم بفعالية وضمان الحصول على هذه الحقوق «أي من خلال المحاججة، والمشاركة السياسية، إلخ».

المستوى التنفيذي: الذي يحدد المداخل التي يمكن لمنظمات حقوق الانسان الاستفادة منها في بلورة الحقوق وجعلها أمرا واقعا بالنسبة للمرأة والرجل.

وفي إطار تعزيز المشاركة السياسية – كأولوية ضرورية - للشرائح المهمشة والمعزولة والذي لا يجب أن يتوقف في إطار وضع قوانين أوتشريعات فالنجاح حسب تقرير التنمية البشرية لعام 2004 " ليس مجرد مسألة تغييرات تشريعية وسياسية، ولوأن هذه ضروية. فالدساتير والتشريعات، التي توفّر الحمايات والضمانات للأقليات والسكان الأصليين ومجموعات أخرى، هي أساس حاسم لحريات أوسع. ولكن، ما لم تتغير الثقافة السياسية أيضا – وما لم يصل المواطنون إلى التفكير والشعور والتصرف بأساليب تتسع بإخلاص لاحتياجات الآخرين وطموحاتهم، فإن التغيير الحقيقي لن يحدث. وعندما لا تتغير الثقافة السياسية، تكون المضاعفات واضحة إلى حد مزعج. يؤدي التقصير في معالجة شكاوي المجموعات المهمشة لا إلى الظلم فحسب، وإنما كذلك إلى توليد مشاكل حقيقية في المستقبل:شبان متعطلين،ساخطين غاضبين على الوضع الراهن، مطالبين بالتغيير – وغالباً بعنف [4] ."

ولأهمية المشاركة السياسية للأقليات كان لمجلس حقوق الانسان في دورته الثانية 12-13 /11/2009 تركيز على هذا الموضوع فأقام محفلا تم التركيز فيه على ثلاث نقاط وهي: تحديد التحديات والمشاكل التي تواجه الأقليات والدول، تحديد الممارسات الجيدة فيما يتعلق بالأقليات والمشاركة السياسية، النظر في الفرص والمبادرات والحلول. في هذا الإطار قدمت الخبيرة المستقلة المعنية بقضايا الأقليات،غاي ماكدوغال تقريرها رقم «A/HRC/FMI/2009» وهوغاية في الأهمية لتعزيز المشاركة السياسية للأقليات ومما تم ذكره تحت عنوان " الشروط المسبقة للمشاركة السياسية الفعالة والعراقيل التي تعترض تلك المشاركة " التالي [5] :
1- إن إجراء حوار متواصل وموضوعي مطلوب لضمان المشاركة الفعالة للنساء والرجال المنتمين إلى أقليات في مجتمعهم. وينبغي أن يكون هذا الحوار متعدد الاتجاهات:فيجب أن يشرك الأشخاص المنتمين إلى أقليات وكذلك سكان الأغلبية، ويجب أيضا ً أن يجري بين أشخاص ينتمون إلى أقليات والسلطات. ولا يمكن تحقيق هذا الحوار إلا إذا وجدت قنوات فعالة للاتصال، ويجب أن تراعي هذه القنوات الاحتياجات المحددة لنساء الأقليات، فضلاً عن احتياجات الشرائح الأخرى المهمّشة من الأقليات المعرّضة للتمييز المتعدد الجوانب.

2 - وثمة مسألة مركزية فيما يتعلق بالمشاركة السياسية للأقليات تتمثل في السبيل إلى التأكد من أن المشاركة فعالة بحق، فعند النظر ما إذا كانت مشاركة الأشخاص المنتمين إلى أقليات فعالة، يتعين بحث جانبين من أهم جوانب المشاركة. الأول يتعلق بالوسائل التي أُخذ ﺑﻬا لتعزيز تمتع الأشخاص المنتمين إلى أقليات بالمساواة الكاملة والفعلية. أما الثاني فيتعلق بتقييم أثر هذه الوسائل على وضع الأشخاص المعنيين وعلى اﻟﻤﺠتمع ككل. ويمكن أن تتفاوت نظرة الجهات الفاعلة المختلفة إلى هذا الأثر، وفقًا لمدى انخراطهم في العملية. فلا يكفي أن تكفل الدول المشاركة الشكلية للأشخاص المنتمين إلى أقليات؛ بل يتعين عليها أن تحرص على أن يترتب على مشاركة ممثلي الأقليات تأثير جوهري على القرارات المتخذة، بحيث يكون لهذه الأقليات قدر الإمكان نصيب من الفضل في توجيه القرارات المتخذة.

3 - وبالتالي، فإن مجرد المشاركة السياسية ليس كافيًا لكي تكون هذه المشاركة "فعالة"وينبغي مراعاة عدد من الاعتبارات ﺑﻬذا الخصوص، ومن ذلك على سبيل المثال مدى شرعية الممثلين السياسيين للأقلية. فلا بد ألا يغيب عن الأذهان أن مجتمعات الأقليات غير متجانسة ولا بد أن يترجم هذا التنوع في شكل تمثيل متعدد. وعلاوة على ذلك، بإمكان الممثلين السياسيين أن ينأوا بأنفسهم عن قواعدهم الشعبية الرئيسية، ومن ثم الإخلال بمهمتهم كمتحدثين حق يقيين وفعليين باسم هذه القواعد. وإذا لم يكن لممثلي الأقليات سلطة اتخاذ قرارات جوهرية ومؤثرة بشأن مسائل ذات أهمية ﻟﻤﺠتمعاﺗﻬم، فإن مشاركتهم تلك ستكون رمزية وليست "فعالة".

4 - وبالتالي من الأهمية بمكان أن تكون آليات المشاركة محل إعادة نظر وتقييم باستمرار للتأكد من أﻧﻬا تسمح بالمشاركة الفعالة. ومع تغير الأوضاع والوقائع بمرور الوقت، ينبغي إعادة النظر في آليات المشاركة وتكييفها إذا تطلب الأمر. على أن هذه العملية ينبغي ألا تفضي إلى الانتقاص من الحقوق المكتسبة.

5 - ولا معنى للحق في المشاركة الفعالة ما لم تكن هناك مجموعة تتمتع بالقدرة والموارد لممارسته. وثمة شرط مسبق مهم للمشاركة السياسية للأقليات هوالقدرة على المشاركة.وتشمل قدرة الأقليات على المشاركة في الحياة العامة طائفة عريضة من المسائل. فهي تفترض أن الأشخاص المنتمين إلى أقليات قادرين على ممارسة اﻟﻤﺠموعة الكاملة من الحقوق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها الحق في اللغة، والحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في الصحة، والحق في الغذاء، والحق في السكن، وغيرها من الحقوق. وترى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن على الدول اتخاذ تدابير إيجابية للتغلب على صعوبات معيّنة.

6 - وقد تؤدي أوجه الحيف القانونية والثقافية واللغوية أيضًا إلى إعاقة المشاركة الفعالة للأقليات في الحياة العامة. فتحديد سقف انتخابي عال كثيرا ما يؤثر سلبا في قدرة الأقليات على ضمان تمثيلها السياسي ويمكن أن يكون بمثابة تمييز غير مباشر في حقهم. والشروط المتعلقة بتسجيل الأحزاب ال سياسية يمكن أن تقيّد على نحوغير معقول وغير متناسب قدرة الأشخاص المنتمين إلى أقليات على ممارسة حريتهم في الاجتماع وتكوين جمعيات. وقد يؤدي تخطيط حدود الدوائر الانتخابية على نحوما إلى توجيه توزيع الأصوات، ومن ثم إحداث أثر تمييز على مجموعة بعينها أويسفر عن نتائج في صالح الجهة المخططة. والاكتفاء بإدراج أحكام دستورية عن مشاركة الأقليات لن يكون كافيا لضمان المشاركة الفعالة. بل إن سن قوانين وسياسات محددة تم ّ كن من تنفيذ مثل هذه المبادئ الدستورية أمر ضروري. ولا بد من رصد تنفيذ هذه القوانين والسياسات بدورها، ولا بد من ضمان مشاركة الأقليات في وضعها وتنفيذها ومتابعتها.

7 - والاعتراف بالأقليات ضروري لضمان حقوق مجموعات الأقليات في الدولة، بما في ذلك الحق في المشاركة الفعالة. ولما كان عدم الاعتراف عائقً ا أمام التمتع بالحقوق التي ترسخت على الصعيد الدولي، فهويؤدي في ﻧﻬاية المطاف إلى ﺗﻬميش الأقليات وإلى إقصائها من العمليات السياسية. والاعتراف على أساس التحديد الذاتي للهوية هوالخطوة الأولى في العملية الرامية إلى كفالة حقوق الأقليات وصون مركز أفراد الأقليات على قدم المساواة مع غيرهم من أفراد اﻟﻤﺠتمع.
الخاتمة:
الحاجة إلى تطبيق المساواة في السعودية ضروري، وهذا لا يتم بمجرد سن قوانين أوتشريعات رغم أهميتها ولا عن طريق بث الكلمات الجميلة من المسؤولين، بل يحتاج الأمر من الدولة أن تقوم بدورها اللازم في علاج هذه المشكلة السرطانية قبل أن تنتشر في أشكال مختلفة، فتتحول المشكلة إلى أزمة مجتمعية فتفقد الناس ثقتهم في السلطة، فيصل الوطن إلى مخاطر نحن في غنى عنها. ومما يمكن اقتراحه هوتكوين هيئة تتبع الملك مباشرة وظيفتها الأساسية معالجة مشكلة التمييز في السعودية الذي وصل حدا من الانتشار والتوسع مما يهدد الاستقرار السياسي للوطن.


[1]  السعودية انضمت إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 في تاريخ 14/4/2003 وأصبحت نافذة المفعول في 14/5/2003.
[2]  التحفظ يشير إلى استبعاد الأثر القانوني لأحكام معينة من معاهدة في نفاذ تلك الأحكام على الدولة.
[3]  للمزيد من المعلومات ضمن إطار التحديات والمراجعة يمكن الرجوع إلى الحقيبة المرجعية حول إدماج النوع الاجتماعي، تأليف لينا أبوحبيب.
[4]  ولعل هذا يفسر كيف تحولت الاحتفالات باليوم الوطني «1430هـ» في منطقة الخبر بالمنطقة الشرقية إلى حالة من التكسير والتخريب. http://www.youtube.com/watch?v=MBtFW6KItmk
[5]  للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى الموقع الالكتروني لمجلس حقوق الانسان بالأمم المتحدة http://www.ohchr.org/EN/Pages/WelcomePage.aspx، الوثيقة رقم «A/HRC/FMI/2009/2» بتاريخ 18/8/2009 وَ الوثيقة رقم «A/HRC/FMI/2009» بتاريخ 8/11/2009 وَ الوثيقة رقم «4/A/HRC/FMI/2009» بتاريخ 9/11/2009.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق