الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

فتنة العريفي ومسؤولية الحكومة السعودية


كتب وزير الثقافة والإعلام السعودي الدكتور عبد العزيز خوجه في صفحته الخاصة على الفيس بوك ما يلي:
"لاحظت التباسا وقع فيما يخص قضية بولس مطر وأؤكد أن هناك فوارق بين "الفتنة" و "النقد"، وأن حدود "النقد" من الواجب أن لا تصل إلى درجة "السباب" أو "الفتنة" من أي طرف تجاه أي طرف في الداخل أو الخارج ومن يعتقد أن هناك تجاوزا قد حصل ضده ولم نتعامل معه فالقنوات الرسمية معلومة للشكوى والبت..وأسفت من الاتهامات التي وجهت لي وخلطت بين "النقد" و"الفتنة" وبين الظروف الداخلية والخارجية ".

في هذا المقال سأحاول أن أناقش الكلام المقتضب للوزير فيما يخص دعوته للشكوى إلى الجهات الرسمية لأن كلام الوزير يظهر منه اعترافاً أن السباب ليس نقدا وهو كلام يشكر عليه .  الدعوة كما أظن موجهة للمواطنين السعوديين بشكل عام و ربما إلى الشيعة منهم بشكل خاص نتيجة ما تعرضوا له من إهانات من الشيخ العريفي و السباب الذي وجهه لرمز ديني لجميع الشيعة في جميع أنحاء العالم و هو السيد السيستاني . فهو أمر يجمع بين المشكل الداخلي والخارجي .

كذلك أحب أن أوجه القارئ بأن المساجد تقع تحت مسؤولية وزير الشؤون الإسلامية و الأوقاف و الدعوة و الإرشاد الشيخ صالح آل الشيخ ، فهو من يجب أن يأخذ موقفا حاسما بإيقاف العريفي من أداء الصلاة في المسجد كإمام ، فضلا عن معاقبته لكون ما قاله " فتنة " .

بالرجوع إلى من يجب أن يحاسب العريفي أقول:
 
بالرغم من تعدد الأنظمة و التشريعات في السعودية إلا أنها لا زالت تفتقد إلى القوة في التطبيق ، و الأسوء حينما يكون القانون الذي من المفترض أن يطبق على نحو المساواة على جميع الأفراد الذين يقعوا تحت نطاق القانون ، نجد في الحالة السعودية الوضع مختلف! فالقانون يحكم من قبل الأشخاص لا العكس ، و هذا بدوره يؤدي إلى خلل قانوني ، و من هنا يمكننا القول أن التمييز الذي يمارس في السعودية في أحد أشكاله تمييز له أصل قانوني لأن القانون و إن كان موجودا على نحو الصياغة لكن يفتقد إلى قوة التطبيق و الإلزام و الطاعة و الخضوع و بذلك يكون  أحد أهم أعمدة القانون غير متوافر و بذلك يكون التشريع معاقاً ، لأنه يفتقد إلى فاعلية التطبيق و المساواة بين جميع الأفراد و عنصر السيادة ، فكثير من التشريعات رغم وجودها صياغة إلا أنها في الواقع العملي لا تملك قوة النفاذ .

مسؤولية هيئة التحقيق و الإدعاء العام : 

بالرغم من الدور الذي أعطته السلطة التشريعية لهيئة التحقيق و الإدعاء العام من صلاحيات واسعة إلا أن الهيئة التي من المفترض أن تكون حريصة على تطبيق الأنظمة أكثر من أي مؤسسة حكومية أخرى ، نكتشف أنها لا تقوم بما يجب أن تقوم به !
منذ صدور قرار نظام الإجراءات الجزائية في 28/7/1422هـ و أصبح ساري المفعول بعد ستة أشهر ، إلا أننا لم نجد للهيئة خلال الثماني سنوات الماضية أي عمل فعلي في تعزيز الوحدة الوطنية و منع محاولة أي تعدي على المواطنين ،لاسيما تجاه الشيعة .
من صلاحيات الهيئة التي تفردت بها ، ما ورد في المادة (16) من نظام الإجراءات الجزائية " تختص هيئة التحقيق والإدعاء العام وفقاً لنظامها بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها أمام المحاكم المختصة " و بذلك الهيئة ممثلة ونائبة عن المجتمع و أحد واجباتها هو الدفاع عن المجتمع و دفع أي خطر أو تعدي يحاول الإخلال بالنظام و الآداب العامة ، و الذي يقع تحت نطاق الحق العام ، و هيئة التحقيق هي الجهة الوحيدة المسؤولة قانونيا و أخلاقيا بتحمل المسؤولية و ردع كل شخص يحاول أن يمس نظامنا الاجتماعي و الإسلامي بسوء. و للتوضيح يقصد بالدعوى الجزائية ( الجنائية ) كما يذكر عبيد رؤوف في كتابه مبادئ الاجراءات الجنائية في القانون المقارن أنها " كل جريمة ينشأ عنها ضرر عام هو الذي يقصده القانون بالحظر المباشر عندما يجعل من الواقعة جريمة ، أي فعلا معاقباً عليه . هذا الضرر العام هو الذي يبيح للسلطات العامة أن تتدخل طالبة من القضاء توقيع العقوبة المقررة لها . و حقها هذا تباشره بواسطة الدعوى الجنائية. " .

الهيئة بصفتها وكيل عن المجتمع قامت بمباشرة الدعوى ضد مازن عبد الجواد الذي عرف بـ ( المجاهر بالمعصية ) بسبب أن ما قام به يمثل خروجا عن نظام العلاقات الاجتماعية و الآداب العامة في المجتمع السعودي . و أيضا قامت الهيئة بتحريك دعوى ضد الشيخ توفيق العامر التي لا زالت جلسات محاكمته مستمرة إلى الآن و من إحدى التهم الموجهة إليه هو "التطاول على العلماء الكبار" و هي تهمة أتت نتيجة لنقد الشيخ العامر للعلماء الذين أصدروا بيانا ضد الشيعة موقع من 22 شخصية علمائية سلفية في السعودية بعضهم من هيئة كبار العلماء . البيان السلفي السعودي الذي  احتوى على قدر كبير من الإساءة إلى الشيعة و وصفهم بصفات سيئة و غير لائقة هو في مضمونه أقرب إلى تكفير الشيعة بشكل غير مباشر ، و العجب كل العجب أن من قام بردة الفعل يحاسب بينما الفاعل برئ !!!


من خلال المقدمة السابقة و تحقيقا للعدالة و المساواة أطالب هيئة التحقيق و الإدعاء العام بالتالي :

أن تقوم بتحريك دعوى ضد محمد العريفي بسبب الإساءة التي وجهها إلى الشيعة بشكل عام و إلى رمز من رموز الشيعة في جميع أنحاء العالم وهو المرجع الديني السيد السيستاني ، و ذلك لكون :

أ- السب و الشتم الذي صدر من العريفي إن لم يتم معالجته سيكون مدخلا لزرع الفتنة و الشقاق بين أبناء الوطن و بذلك سيؤدي إلى صراعات طائفية مما يؤدي لا محالة إلى زعزعة الاستقرار في الوطن . أما في الشق الخارجي فعدم اتخاذ المملكة موقف تجاه مثل هذه الإساءات إلى الرموز الدينية يخالف دعوتها إلى الحوار بين الأديان و تصويتها على القرارات في مجلس حقوق الإنسان و الأمم المتحدة بعدم الإساءة إلى الرموز الدينية . و النتيجة أننا سنبقى في دائرة السجال الطائفي و مخاطر ذلك على الأمن القومي والاستقرار السياسي ، و لنا في الدول التي عانت أو التي لا تزال تعاني من النزاعات الطائفية كيف أن السباب و الشتائم كان طريقها السريع إلى ولادة العنف الطائفي و مدخلها السهل إلى الفتنة . ما يمكن قراءته من خلال مسح سريع لجميع الشيعة في السعودية كيف أن كلام العريفي سبب لهم كثيرا من الأذى و جعلهم يشعرون بالسخط ، فضلا عن مشاعر أخواننا السنة في الوطن الذين رفضوا هذا الكلام العنصري ، فهو شعور مشترك بين أبناء الوطن في أن ما قاله العريفي يمثل إساءة إلى قيمنا الاجتماعية و وحدتنا الوطنية و فيه خرق لدستورنا و تجاوز لكلام خادم الحرمين الشريفين الذي يحث ويحرص على تعزيز الوحدة بين أبناء الوطن و منع كل ما يؤدي إلى التفرقة .

ب - تحقيق الأمن من الأمور الضروية للأفراد و هو الطريق الوحيد لتحقيق أمن الدولة، و على هذا وجدنا النظام الاساسي للحكم في المادة (36) ينص على " توفر الدولة الأمن لجميع مواطنيها" ، و الأمن من المفاهيم العميقة و المتفرعة و قد كان عنوان تقرير التنمية الإنسانية في العالم العربي 2009 – تحديات أمن الانسان -  و كلام العريفي يتجلى فيه ما يزعزع الأمن الاجتماعي الذي يسبب النزاعات الاجتماعية أو الاثنية أو الطائفية .

ج - السب و الشتم الذي قام به العريفي هو يمثل انتهاكاً صريحا للإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري و التي تلتزم السعودية بتطبيقها و يمكن الاحتجاج بنصوصها في المحاكم الوطنية بحكم مصادقة الحكومة السعودية عليها في 23/9/1997م . الألفاظ السيئة التي صدرت من العريفي كانت مبنية على أساس حقد طائفي ، و قد وجدنا ضمن التقارير التي تصدرها لجنة القضاء على التمييز العنصري ما يثبت بوضوح أن السب و الشتم من الأمور التي تعتبر تمييزا عنصريا في مثل هذه الحالات و من الواجب أن يعاقب عليها القانون كما ورد في الفقرة (أ) من المادة الرابعة " كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، وكل تحريض على التمييز العنصري وكل عمل من أعمال العنف أو تحريض على هذه الأعمال يرتكب ضد أي عرق أو أية جماعة من لون أو أصل أثني آخر، وكذلك كل مساعدة للنشاطات العنصرية، بما في ذلك تمويلها، جريمة يعاقب عليها القانون." و هذا ينسجم مع التعهد الذي ورد في الفقرة (ب) من المادة الثانية الذي ينص على " تتعهد كل دولة طرف بعدم تشجيع أو حماية أو تأييد أي تمييز عنصري يصدر عن أي شخص أو أية منظمة . فالسكوت عن العريفي و عدم معاقبته سيؤدي إلى حمايته و سيحرض آخرين على الإقتداء به في هذا الطريق  و في ذلك مخالفة قانونية واضحة .

د - قيام الهيئة بتحريك الدعوى ضد العريفي هو القيام بالدور المناط بها كما ذكرنا سابقا، و يعيد للناس الثقة في القوانين و التشريعات بحيث ينظروا إلى الهيئة أنها جهة تطبق الأنظمة بشكل عادل و على نحو المساواة مع جميع أفراد المجتمع . و هي بذلك تجسد الصيغة القانونية الأعلى في الدولة و هو الدستور الذي ينص في المادة 12 على " تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والإنقسام . " .

في الختام لا يسعني إلا القول لوزيري الاعلام و الشؤون الاسلامية:
 
وزير الثقافة والإعلام أرجو أن تصل إلى قناعة مفادها أن من يجب أن يرفع الدعوى هي مؤسسة من مؤسسات الدولة، و من يجب أن يكون مسؤولا أخلاقيا أمام المواطنين الشيعة هو وزير الشؤون الإسلامية، وقانونيا أمام الجهات المختصة إن لم يبادر إلى إخماد الفتنة ، فإذا كان هناك تقصير فيجب أن تكون الحكومة مسؤولة عن ذلك  .

أما وزير الشؤون الإسلامية  أحب أن أذكره أنني في عام 1423هـ - إن لم تخن الذاكرة- كنت حاضرا في محاضرتك التي كانت بعنوان " الوسطية في الإسلام " في جامعة الملك فيصل بالاحساء ، فقد شرحت و أوفيت و أبديت وجهة نظرك أمام الدعوات الشاذة في المملكة و الوطن العربي و كان حديثك محل ترحيب من جميع الحضور . و كنت قد سألتك عن عن البعد المذهبي و كيف يجب أن نتعامل معه فكانت إجابتك أن الوسطية تقضي باحترام جميع المذاهب على نحو المساواة . فهل يا سعادة الوزير ما قام به العريفي يمثل نهج الوسطية في الإسلام ، و هل استهداف الشيعة في معظم المساجد بشكل خاص خلال هذه الأيام بمناسبة الحرب مع الحوثيين هو جزء من سياسة الوزارة . و هل يصح أن يعمم المنظور الطائفي على طائفة بأكملها بسبب مجموعة من الأشخاص لا يمثلوا حتى 0.000001 % من عدد الشيعة . هل يصح لو قام شيعي بسبب كون تنظيم القاعدة و الجماعات الإرهابية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي و التي تمارس العنف في أجلى صوره أن يمارس السب و الشتم و أن يربط ذلك أنه نتاج تعاليم المذهب السني! أليس هذا التعميم الخاطئ ما وقع فيه الغرب عندما جعل الإسلام في خط متواز مع الإرهاب ، وكان جزءا من دور المثقفين و العلماء أن يوضحوا مكان الخلل في هذه المقاربة الغير علمية ، وأن يثبتوا عدم صحة هذه الفرضية .

ما قام به العريفي تحت مسؤوليتك ، و الأفعال هي التي تثبت وسطية الإنسان من عدمها، و عند اتخاذ موقف صارم يجب على الإنسان أن يتحمل ردات الفعل المتشددة .

وسلام على وطن يجرح و يشتم فيه المواطن فلا تحميه القوانين و لا تتصدى الدولة لردع ذلك .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق