الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

من إلغاء الطائفية إلى بناء الدولة الحديثة

إعادة صياغة المفاهيم بما يتناسب مع التطورات والتغيرات من مميزات المجتمع الحيوي الذي يؤمن بالتغيير ويرفض الجمود فيتعدى حدود الحرف، متجدداً في حل ومعالجة الإشكالات المتجددة ولا يخاف من فتح مختلف الملفات الشائكة لأنه يعلم أن السكوت والرضوخ يؤدي إلى فتح ثغرات في قوة وصلابة النظام القائم ،فيصبح نظاماً لا قيمة له وسيكون التفكك هوالنتيجة في حالة حدوث أوبروز عامل إضافي أوتكرار الحوادث الأفقية، مما سيؤدي إلى ضعف بنية النظام وعدم ثقة الأفراد به.

من المفاهيم التي تحتاج إلى مراجعة ضمن واقعنا العربي بشكل عام والخليجي على نحوالتحديد مفهوم الهوية الوطنية والمواطنة وما يلحق به من مفاهيم كالولاء والقيم  الاجتماعية. المواطنة من المفاهيم الحديثة في مجتمعاتنا الإسلامية التي تقوم " بالحد من الصراعات الإثنية، والعرقية، والاجتماعية، والجنسوية، على قاعدة مبدأي عدم التميز والمساواة " حسب تعبير علي وتوت، وبالرغم من أهمية تعزيز مفهوم المواطنة في المجتمعات المسلمة إلا أنه لم يؤخذ بعين الاعتبار ولم يناقش بصورة جدية من قبل الدولة ومعظم فئات المجتمع خوفاً من الوقوع في المحاذير الدينية التي تسلتطف وتعزز مفهوم الجماعة على المواطنة لاعتبارات وحيثيات متنوعة ومتشابكة يأتي في مقدمتها أن المواطنة تخلق حالة من المساواة بين جميع أبناء المجتمع بغض النظر عن الانتماء والجنس والطائفة والدين، ومثل هذه الأمور لا زالت مرفوضة ضمن العقلية الدينية التقليدية التي تحمل عقلية تأريخية مليئة بالإقصاء والتي على إثرها نشأت كثير من الحروب والنزاعات على أساس ديني أوطائفي.  أما من الناحية السياسية فالمواطنة مدخل أساس لسيادة القانون وهذا ما يتناقض مع واقعنا الذي إن وجدت فيه القوانين لم تطبق! وإن طبقت فإنها تقوم على مبدأ التمييز بين أبناء الوطن، لأنه أخيرا هناك من يهمش القوانين فيصبح رأيه هوالقانون، فيكون القانون ليس من يحكم الأفراد بل الأفراد هم من يفسروا القوانين حسب ما تقتضيه المصلحة.

سؤال الهوية الوطنية من الأسئلة التي تحتاج إلى مناقشة للتخلص من العوائق الكثيرة التي تحكم كثير من تصرفاتنا وتشرعن كثير من أفعالنا وهذا يعود إلى أننا لم نصل إلى هوية وطنية – على الأقل - تستطيع أن تجمع معظم أبناء الوطن تحت رايتها، فما نقوم به في كثير من الأحيان ما هوإلا خداع للنفس بالحديث عن الوطنية كمنهج يدرس في المدارس وكمقالات تنشر في المجلات والصحف وحوارات تذاع في القنوات الرسمية للدول، إلا أنه في الحقيقة وفي الواقع الخارجي مفهوم الوطنية لا زال ملتبساً ومبهماً وهذا راجع لغياب دور "الدولة" في أن تقوم بجزء من دورها لتحقيق ذلك، لأنها اكتفت فقط بكلمات رنانة وبليغة لتهدأت  النفوس الثائرة نتيجة كونهم مواطنين ولا يشعروا بالمواطنة.

فرنسا دولة العلم والفلسفة، الدولة القوية الثابتة الصامدة، لم تخجل أن تطرح سؤال الهوية الوطنية، فقبل أسابيع بدأ نقاش ترعاه الحكومة في جميع أنحاء فرنسا يشمل جميع الفرنسيين يتناول سؤال ماذا يعني أن يكون المرء فرنسيا وما هي مكونات وعناصر الهوية الوطنية الفرنسية؟ وطرح مثل هذه الأسئلة في فرنسا لم يؤخذ من قبل المفكرين على أنها تمثل خطوة سلبية أوأنها تعكس هشاشة الدولة، بل كان موضع ترحيب لأنه سيؤصل لقراءة جديدة للهوية الوطنية في ظل المتغيرات المختلفة، وفي ظل الحديث المتنامي عن فرنسا بأنها أصبحت بلداً لا يعكس القيم التي يؤمن بها، والذي على أثرها تكونت فجوة بين البنية الفوقية " العقيدة والقيم والنظم والأفكار " وبين البنية التحتية " التكوينات المجتمعية ومدى تقبلها لمثل هذه التعاليم ".  

مثل هذا النقاش سيجعل فرنسا أقوى، وسيكون شعبها أكثر تمسكاً بوطنهم لأن الدولة قامت بوظيفتها نحوتحقيق العدالة في الوطن، بل يمكن الإشارة أيضاً إلى الحديث الدائر حاليا في لبنان لتفعيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية التي وردت في اتفاق الطائف (1989)، وهذا النداء الذي تم التغافل عنه عشرين عاما يأتي من جديد كشعور نتيجة الأزمات المختلفة أنه لا حل نحوتكوين الدولة القوية إلاَ بإلغاء الطائفية التي هي " هدف وطني أساسي" كما ورد في نص الاتفاقية التي أتت نتيجة خمسة عشر عاماً من الحروب بين الطوائف. 

كل التجارب التأريخية ترشدنا على أن الإصلاح لا يمكن أن يكون له مؤطأ قدم عندما تكون الطائفية حاضرة، ولا يمكننا بناء دولة بالمقاييس الحديثة إذا ظللنا نقفز على المشاكل ونتجاهلها أوننظر إليها نظرة سريعة دون التعمق في مدلاولتها وانعكاساتها المستقبلية.
المؤشرات التأريخية والحالية تشعرنا بمدى الحاجة إلى القيام بجهد مدني مؤسساتي يُشرك فيه جميع أبناء الوطن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية وصولاً إلى مبدأ الدولة بالمعنى الحديث " الكيان السياسي والاطار التنظيمي (المؤسسي) الواسع لوحدة المجتمع والناظم لحياته الاجتماعية، وموضع السيادة فيه ".  وهذا لا يمكن تحقيقه من خلال مركز للحوار الوطني أومنهج دراسي أومؤتمر هنا أوهناك بل يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة في تنفيذ النتائج وعدم الخوف من كون مثل هذه التغييرات ستضعف النظام، بل ستزيده منعة وصلابة.  فماذا نختار ؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق