الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

الوعي بحقوق الانسان ضرورة ملحة


تأصيل المفاهيم في مختلف المجالات يحتاج إلى جهد مضاعف من قبل المفكرين والفلاسفة قبل أن يصل إلى مرحلة التداول الثقافي العام أو الانتقال من طبقة ثقافية إلى طبقة أخرى، وعملية انتقال المعرفة كثيرا ما تسبب بخلل في بنية المفهوم لأنه يصل إلى المتلقي في طبق جاهز من دون معرفة كيف يمكن للمفهوم أن ينمو في المجتمع بشكل واقعي دون السعي لمحاولة التفكيك ومعرفة أماكن العلاقة بين عدد من المفاهيم المرتبطة به ارتباطا وثيقا أو جزئياً، هو الذي يجعل التركيز على شيء معين خطيئة عندما لا يتم التوسع والتطرق إلى أماكن العلاقة والاتحاد والتكامل بين مختلف الجوانب.

منذ مارس 2004 تم تأسيس أول مؤسسة تعنى بحقوق الانسان في السعودية ومن هنا أصبح الاهتمام في تزايد بين مختلف أطياف المجتمع فأصبح الشأن الحقوقي حاضراً في الوسائل الاعلامية وفي المنتديات الثقافية نسبياً مقارنة مع السنوات الماضية، لكن هذا الاهتمام لا زال ضعيفا ومحصوراُ في طبقات معينة من المجتمع فتأطر في حدود ضيقة بحيث لم يلامس الجوانب المهمة والحساسة في معالجة الكثير من القضايا الحقوقية في المجتمع، وهذا ناشئ عن كون المادة الحقوقية من الأمور التربوية والثقافية الجديدة عند المجتمع السعودي، فالتعاطي معها يتم بصورة تلفيقية بالرغم من أن المادة الحقوقية مترابطة ولا تقبل التجزئة.

من هنا يمكن الاشارة إلى أن دور ومسؤولية الاعلام لا زال ضعيفا وهشاً في تناول موضوع حقوق الانسان ككتلة واحدة. فالتعامل مع حقوق الانسان كمفهوم لا زال مقتصرا في زاويا معينة من دون توضيح الجوانب الأخرى المهمة فضلا عن انعكاسات الوعي بحقوق الانسان على بقية المعارف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والمدنية وهذا سبب حالة من الوعي الناقص والغير مكتمل فأصبحت المفاهيم الحقوقية أقرب ما تكون إلى جسم فاقد للحركة والفاعلية.

المفاهيم الحقوقية بسبب ارتباطها الوثيق بجميع أو لنقل معظم الحقول المعرفية، وكونها عاملاً أساسياً في قياس الحالة الصحية للدولة والمجتمعات والأفراد، أصبح من اللازم على جميع مكونات الدولة والمجتمع بعمل جهد مضاعف في نشر المعرفة الحقوقية، لما تمثله المعرفة من صمام أمان للفرد والمجتمع والدولة وما تحققه من تطور وتنمية عندما يعيش الجميع تحت مظلة قانونية يحكمها العدل والمساواة.

كتابة القوانين وسن التشريعات تمثل الخطوة الأولى في تحقيق سيادة القانون خصوصا عندما يكون القانون منبثقاً من سلطة تمتلك إحدى مقومات الشرعية كما قسمها ماكس فيبر إلى ثلاثة أنوع «التقليدية، الكاريزمية، القانونية»، لكن هذه الخطوة لا يمكن ان تكتمل عندما تصطدم بحاجز الجهل عند الأفراد أو حائط الجهل المركب عند القائم على إنفاذ القوانين.

الخطوة الأهم في بناء مجتمع يقوم على القانون بعد أن يُشَرَع القانون من سلطة شرعية أن يملك أفراد المجتمع الوعي الحقوقي بما يتصل بحياتهم وشؤونهم الخاصة، واقناعهم بما يمثل القانون من أهمية في تحقيق النمو والتنمية المطردة وتعزيز حالة الأمن وتوفير السعادة للإنسان عندما يشعر أن حياته الشخصية وأفعاله محمية بالقانون.

هذا ما أكدت عليه الأمم المتحدة ممثلة بمجلس حقوق الإنسان بِحض الدول على نشر الوعي بحقوق الإنسان وتنفيذ الالتزامات الناشئة لكونها عضواً في الأمم المتحدة لما يمثله ميثاق الأمم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان من الثوابت التي يجب على الدول احترامها، وهذا ما ظهر جليا في أكثر من مادة في ميثاق الأمم المتحدة، فقد ورد في مقاصد الأمم المتحدة " تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعًا، والتشجيع على ذلك إطلاقًا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء. " وأشار إلى ذلك الاعلان العالمي في الديباجة بالقول " فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها ".

و لكون المملكة العربية السعودية عضواً في ميثاق الأمم المتحدة ومن الدول التي لم تصوت ضد الاعلان العالمي لحقوق الانسان وكونها طرفاً في العديد من الصكوك الدولية، والسعودية كانت عضواً في لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة وانتُخبت كعضو في مجلس حقوق الانسان في عام 2006 وكما أعيد ترشيح السعودية إلى العضوية عام 2009 لمدة ثلاث سنوات قادمة، كل هذا يفرض على المؤسسات الحقوقية والاعلامية والتربوية والاجتماعية أن تقوم بوضع آلية لنشر الوعي الحقوقي بين أطياف المجتمع ابتداء من القائم على انفاذ القوانين والتشريعات وصولا إلى جميع أفراد المجتمع.

الاكتفاء بطريقة واحدة وهي طباعة الكتيبات أو عمل نشرات دورية وتوزيعها بشكل عشوائي من قبل المؤسسات الحقوقية هي طريقة قديمة لا تحقق الفاعلية اللازمة ولا تؤدي إلى حماية الانسان من الانتهاكات. يجب أن تصل الثقافة الحقوقية إلى جميع المفاصل المختلفة باستخدام الطرق المختلفة والمتنوعة التي تقوم على الابداع، فمنذ فترة سمعنا أن هيئة حقوق الانسان بالتعاون مع إدارة التربية والتعليم وبعض المؤسسات الجامعية تسعى لتضمين المناهج الدراسية بعض المواد الحقوقية، وهذا الأمر لتحقيقه يحتاج لوقت، في موازة ذلك، يجب استثمار الوقت باقامة دورات توعوية في المجال الحقوقي وعمل برامج اعلامية واعلانية تخاطب الأفراد في أماكن تواجدهم عن طريق التلفزيون والانترنت والصحافة والاذاعة وتشجيع القائمين على انتاج البرامج الحيوية والنشطة التي تستقطب الجماهير إلى الاقتراب من ثقافة حقوق الانسان «مثلا برنامج خواطر للمبدع أحمد الشقيري»، بل أيضا إقامة دورات تخصصية للكتاب لكون المادة الحقوقية مادة دقيقة ومن ثم حثهم على الكتابة في المجال الحقوقي لما يحققه الوعي الحقوقي عند أبناء المجتمع من تأثير في بناء قوانين عصرية تناسب احتياجهم وتحمي حقوقهم وحقوق الآخرين وما يفرضه من ممارسة فاعلة وسليمة من قبل القائمين على انفاذ التشريعات، ويبقى دور رئيس تقوم به المؤسسات الصحفية أن تستكتب المهتمين في المجال الحقوقي وتشجيع الكتاب الحاليين على ممارسة الكتابة في هذا الحقل الحيوي ودفع الصحفيين على عمل حوارات مع اصحاب الاهتمام والقيام بتحقيقات صحفية واستطلاعات رأي، لأن الثقافة المكتوبة والمرئية كلما ازدادت زاد وعي المواطن وهو ما يحتاجه وطننا لحمايته من الأخطار المترتبة على تدني الوعي والمعرفة الحقوقية عند أبناء الوطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق