الاثنين، 6 سبتمبر، 2010

التجمع السلمي بين الرصاص وحق الانسان

المجتمعات البشرية تسعى وتجتهد إلى أن يكون القانون فيها المرجع وليس الحكومة والأهواء والعواطف. فيجب على الجميع أن يكون خاضعا لسلطة الدولة فلا تكون الحكومة هي الدولة بل يجب أن تكون الحكومة تحت قانون الدولة وتسعى إلى تحقيق أهداف الدولة من خلال تطبيق القوانين والأنظمة التي تحقق العدالة الانسانية منعا للظلم والجور، لتكون الدولة فوق الجميع وتكون السلطات الثلاث - التشريعية والتنفيذية والقضائية - منفذة لأهداف الدولة العليا، فتكون الدولة المرجع الجامع الذي يجب أن يخضع له الجميع لتحقيق التوزان الحقيقي المبني على الحق وكرامة الانسان. بصورة مجملة القوانين تثبت الحقوق وترفض الانتهاكات.


الحديث عن الحقوق هو عادة خط أحمر خصوصا في الدول العربية التي ترى أن المواطن هو شخص منفذ للأوامر وليس مشارك في عملية التنمية السياسية والاجتماعية والثقافية، فما يقوم به هو على نحو الوظيفة والعبودية والتكليف لا على نحو المشاركة الفعالة التي تمكنه من المطالبة بالتصحيح والتعديل وسن الأنظمة والتشريعات. هو آلة تنفيذية لا يمكن أن يحتكم ضد القوانين الجائرة لرفع الظلم الذي أصابه بسببها.
القاعدة الأساسية للحق هو أن الحقوق تُؤخذ ولا تعطى، أما في الغرب فأصبحت الحقوق تمارس ولا يطالب بها لأن هناك شبه إجماع على حقوق الانسان الطبيعية. فالأنظمة أتت لتؤكد حق الانسان في حريته وأن يعيش بكرامة وأمان، فالقوانين التي تريد أن تنتقص من الحرية يجب ان تعطل أو أن تلغى خصوصا عندما يتعلق بحقوق الانسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

المملكة والاتفاقيات الدولية:

السعودية صادقت على عدة اتفاقيات دولية منها الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، اتفاقية حقوق الطفل. وهي بتوقيعها على هذه الاتفاقيات تُلزم نفسها بتطبيقها وإمكانية الاحتجاج بما ورد في الاتفاقيات أمام السطة القضائية. وهي تعتبر مرجع أعلى في حال تصادم النص الدولي مع نظام الدولة إلا ما تحفظت عليه الدولة في هذه الاتفاقيات واعتبرته مخالف " للإسلام ". اما الاعلان العالمي لحقوق الانسان فهو لا يمثل قانوناً ملزما وإنما التزام أخلاقي وأدبي صوتت السعودية له مع تحفظها على المادتين 16 وَ 18.
معتقلو مظاهرة غزة:
يجب ان نقرر أن الحق في التظاهر هو حق للانسان أن يعبر عن رأيه، فمصادرة هذا الحق هو انتهاك لحق طبيعي أعطاه الله سبحانه وتعالى لعباده، فوظيفة القوانين أن تنظم الحقوق لبني البشر لا أن تقوم بتقليصها بالرغم ان القاعدة الأساسية ان القوانين تضيق من الحريات نتيجة التزاحم والتعارض والأولويات لكن ليس للحد الذي يسلب منه حقوقه الطبيعية التي لا يمكن للإنسان أن يعيش من دونها.
الانسان يولد حرا، يتمتع بصلاحيات واسعة خاصة فيما يتصل بالممارسة الشخصية والحقوق الطبيعية. وإذا أتينا إلى المتظاهرين لأجل غزة يظهر لنا أنهم لم يخالفوا المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية - السعودية لم تصادق على هذه الاتفاقية لحد الآن - التي نصها " يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به. ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم."
فخروج هؤلاء لم يسبب مشكلة للأمن القومي رغم أن عبارة الأمن القومي عبارة فضفاضة لعدم وجود محدد لها واضح في القاموس وإنما هي لفظة يمكن الاستناد عليها إذا ضعفت الخيارات الأخرى، اضف إلى ذلك انهم لم يخرقوا قوانين السلامة العامة أو النظام العام أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم،فبذلك هم مارسوا أعلى درجات التعبير عن الرأي بكل انضباطية تامة.
وفي الجانب الآخر نجد أن النظام الاساسي للحكم في المادة 25 ينص على التالي " تحرِص الدولة على تحقيق آمال الأمة العربية والإسلامية في التضامن وتوحيد الكلمة، وعلى تقوية علاقاتها بالدول الصديقة." وبلا شك أن الشعب جزء رئيس من فعالية الدولة فلا يمكن أن تقوم دولة بلا شعب. فالتظاهر يحقق هدف التضامن وتوحيد الكلمة بعد أن مزقتنا الطائفية، بل الدولة يجب أن تستفيد من مثل هذه المتغيرات الدولية لزرع المشتركات الوطنية بين أبناء الوطن. اضف إلى ذلك حسب استقرائنا الناقص لم نجد نصا صريحا في أنظمة الدولة السعودية يحظر التجمعات السلمية ويجرم فاعليها.
بل عمق الحرية تتجلى عندما يعبر أشخاص عن مشاعرهم وتضامنهم تجاه قضية مركزية هي قضية فلسطين التي هي موضع اهتمام من قبل الدولة، ألا يجب أن يقوم هؤلاء الشباب بمثل هذا التصرف ليقولوا لأخوانهم في غزة أن هناك من يتضامن معكم ويرسل رسالة عكسية إلى الصهاينة أن العرب بأجمعهم من جميع البلدان تضامنوا مع أهالي غزة. هل لفعلتهم الانسانية يستحقوا العقاب!!!
استخدام القوة ضد المتظاهرين [1] :
في كل الفرضيات سواء كان الاحتجاج الذي حدث يوم الاثنين الموافق 29/12/2008م بشكل نظامي أو غير نظامي لا يصح استخدام العنف ضد التجمع خصوصا عندما يكون تجمعا سلميا، سبب ذلك مرده حفاظا على كرامة الانسان، كما نصت عليه مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين والتي اعتمدتها الجمعية العامة في القرار 34/169 بتاريخ 17 ديسمبر /كانون الأول 1979. فالمادة الثانية تنص على أن "يحترم الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين، أثناء قيامهم بواجباتهم، الكرامة الإنسانية ويحمونها، ويحافظون على حقوق الإنسان لكل الأشخاص ويوطدونها."
وفيما يخص الاحتجاجات وكيفية التعامل معها من قبل الأجهزة المختصة ينص المبدأ 12 من المبادئ الأساسية بشأن استعمال القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (اعتمده مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، الذي عقد في الفترة من 27 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول 1990) على ما يلي:
"حيث أن لكل شخص الحق في المشاركة في التجمعات القانونية والسلمية طبقا للمبادئ المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تعترف الحكومات والوكالات والموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين بأنه لا يجوز استعمال القوة والأسلحة النارية إلا طبقا للمبدأين 13 و14."
وعملا بالمبدأ 13: "في تفريق التجمعات التي تكون غير قانونية ولكنها لا تتسم بالعنف، يتفادى الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين استعمال القوة، أو، حيثما لا يكون ذلك ممكنا عمليا، يقيدون استعمالها إلى الحد الأدنى الضروري."
وينص المبدأ 14 من المبادئ الأساسية بشأن استعمال القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين على أن "في تفريق التجمعات التي تتسم بالعنف، لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال الأسلحة النارية إلا إذا كان استعمال وسائل أقل خطورة غير عملي وألا تستعمل إلا في أضيق الحدود الضرورية. ولا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال الأسلحة النارية في هذه الحالات، إلا في الظروف المنصوص عليها في المبدأ 9."[2] 
من هنا يتضح لنا أن ما قامت به الأجهزة كان استخداماً مفرطا للقوة في ظل تجمع سلمي كان بالامكان عدم استعمال الرصاص المطاط والاكتفاء باستخدام ما يؤدي إلى تفرقة المتظاهرين تطبيقا لمبادئ الأمم المتحدة التي نصت على ذلك، وكان الأجدى أن يترك هؤلاء الشباب إلى أن يتفرقوا ويفرغوا شحنات الغضب جراء ما يتعرض له شعب غزة المظلوم المضطهد.
الدور المطلوب:
يجب ان تمارس الجمعية الوطنية لحقوق الانسان وهيئة حقوق الانسان دورهم المنوط بهم في الدفاع عن المعتقلين خلال فترة التحقيق والمحاكمة، وان تقوم بتوفير محامين لهم لكي لا يتم تسيس القضية وتحويلها من بعدها الانساني إلى أبعاد أخرى، لكي يتم تطبيق القانون بشكل صحيح، مع الأخذ بعين النظر الأسلوب الذي اتبعته أجهزة الأمن في تعاملها مع المحتجين، ومدى ملائمته مع أنظمة وتشريعات الدولة والاتفاقيات الدولية.
الدفاع عن المعتقلين واجب الجميع لأنه دفاع عن حرية الرأي والتعبير، لنتمكن بعد ذلك من حل الاشكالية والازدواجية بين ما هو مباح ومحرم إلى أن يأتي اليوم الذي نأخذ جميع حقوقنا غير منقوصة.
ماذا يفعل الشباب؟؟
ماذا يراد لهؤلاء الشباب أن يفعلوا، جميع الطرق مغلقة، فلا يملك هؤلاء إلا التعبير عن شجبهم لما يحصل، وهو تعبير وحق أساسي للمواطن أن يكون مشاركاً وفاعلاً في عملية التنمية وفي الضغط السياسي، وإلا ما هي فائدة الشعوب عندما لا تعبر عن رأيها. فهؤلاء الشباب لا يملكون صحيفة ولا مجلة وإنما شباب شعروا من واجبهم أن يقوموا بدور بسيط لأخوانهم المسلمين بعد أن شاهدوا المجزرة ونظروا إلى الجثث فوق بعضها البعض والدماء تسيل ولا ناصر لهم إلا الله فقاموا بدور وطني، هو الوقوف المعنوي مع الشعب المظلوم المسلم، بل لو كانوا كفارا لوجب التظاهر لردع الظلم، فهل لهذه الفعلة يستحقون العقاب. بل - في ظني- أن الدولة التي تشاهد شعبها حركيا في القضايا الاسلامية المركزية، يجب أن تدرك أن هذا الشعب هو الذي سيقف بجانبها عندما يحاك ضدها المؤامرات، لأنه شعب لا يرضى إلا بتحقيق العدل والسلام ويرفض الظلم والعدوان، إنها الوطنية في أجلى صورها، وطنية تعتمد على حرية الانسان في التعبير عن رأيه بكل اطمئنان وسلام.
مظاهرة شباب القطيف هي في جوهرها تتناغم مع المادة 39 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان المعتمد من قبل الجامعة العربية التي تنص على: " للشباب الحق في أن تتاح له أكبر فرص التنمية البدنية والعقلية."
واستفهامي الحائر عندما يُضَيق على الشباب، ولا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم الداخلية: ألا يسبب ذلك مشكلة نفسية عندما يشعر الشاب أن البلد لا تتسعه، وبذلك تتولد لديه أول بذرة من بذور العنف المضاد عندما يرى أنه مقيد بقيود بينما العالم بأجمعه يتمتع بهذه الحقوق.

[1]  تم الاستفادة من موقع الأمم المتحدة لحقوق الانسان http://www.ohchr.org فيما يخص موضوع التعامل مع المظاهرات من قبل أجهزة الأمن.

[2]  ينص المبدأ 9 على أن "لا يستعمل الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين الأسلحة النارية ضد الأشخاص إلا دفاعا عن أنفسهم أو دفاعا عن الآخرين ضد التهديد الوشيك بالموت أو الإصابة البالغة، أو لمنع ارتكاب جريمة على درجة خاصة من الخطورة تنطوي على تهديد جسيم للحياة، أو لتوقيف شخص يشكل هذا الخطر ويقاوم السلطة، أو لمنعه من الفرار، وحينما لا تكفي الوسائل الأخرى الأقل تطرفا لتحقيق هذه الأهداف. وعلى أية حال، لا يجوز استخدام الأسلحة النارية استخداما يفضي إلى الموت عن قصد إلا إذا لم يكن هناك بد من استعمالها لحماية الحياة." 
 
* تم كتابة المقال بتاريخ 30/ 12 / 2008 و ذلك عندما قامت السلطات السعودية باعتقال مجموعة من المتظاهرين الذين خرجوا تضامنا مع أهالي غزة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق